|
من أدب الكبار
وقفة مع الأدب البدوي مع رجل أحب الأدب والشعر حتى خالط
ذلك كيانه وأثر على مجريات حياته..
عندما سجّل للجامعة المفتوحة سنة 1958 جاءه مبعوث
الحاكم العسكري وقال له: "الحاكم قال بيكفّي، إنت متعلّم كتير"!!
وبالفعل.. أوقف دراسته..
لقاء مع الشاعر الأديب الحاج صالح النعامي

أجرى اللقاء: هيثم الهواشله
الحاج صالح النعامي يقف على عتبات السادسة والسبعين
من عمره، وقد أثقل الزمن كاهله، وأحنى ظهره، وأضعف بصره، إلا أن ذلك لم
يتخلل إلى كلماته وأشعاره التي نظمها وما زال ينظمها إلى اليوم.
فنبرته قويّة، وبصمة الأدب عليه جليّة، يتذوق الكلمة،
ويستشعر العبرة، ويعيش مع قصائده وتأملاته.....
عندما زرته شعرت بغربته، أحسست بأنه يبحث عمن يرث
الكنز العظيم الذي يملكه، متلهف للعلم والقراءة ولا يضنيه ذلك رغم
سجاله الطويل مع الزمن، فأيقنتُ عندها أنه أديب في زمن قلّ فيه
الأدباء، وشاعر فقد رفاقه بل لم يرهم في يوم من الأيام، سلاحه كلمته،
لغته أشعاره.
حاورته، بل قل حاورني، عن الأدب البدوي وعن أدبه
وأشعاره البدوية والعربية...
.JPG)
الأدب البدوي وألوانه
يقول صالح النعامي (أبو خليل): هناك أدب بدوي موجود
وثابت ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، ومعظم أدب البدو موجود في أشعارهم
الشعبيّة، وغالبا ما يصاغ الأدب البدوي على شكل فكاهي، إلا في المواقف
الحازمة كالنقد أو الذم أو القدح فعندها تجد الجد والحزم موجوداً في كل
كلمة يقولونها.
والأدب البدوي غني جداً ويعالج مواضيع لا حصر لها،
وكلها من صميم الواقع إذا نظرت إليها بعين فاحصة، ولو كان فيها شيء من
الهزل.
وما اشتهر من الأدب البدوي هو الدحيّة، وهذا لا يعني
عدم وجود ألوان وأجناس في الأدب البدوي غيرها، بل هناك الكثير، أما
الدحيّة فقد اشتهرت لأنها الرقصة البدوية في الأفراح التي تجمع عدداً
كبيراً من الأشخاص، ويشترك فيها البدّاع الذي يتناول قصّةً أو موضوعاً
في المنطقة ويصوغها في قالب شعري ساحرٍ لكل من يسمعه.
وقد كتبتُ عدّة مقالات عن الفكاهة في الفن البدوي،
ومن أمثلة ما كتبت: من المعروف تاريخيّاً أن الانجليز في فترة
الاستعمار كانوا يسدّون حاجاتهم المؤونيّة وغيرها من ثروات البلاد التي
يستعمرونها. وفي سنة 1930 دخل على النقب جراد بأعداد هائلة، فقام
الانجليز بتشغيل البدو لمحاربة الجراد بالسخرة من خلال حفر خندق من
عوجا حفير حتى رفح حتى يسقط الجراد فيه ثم يدفنونه، ووضعوا عليهم رجلاً
مصرياً اسمه مرسي، وظيفته أن يحصي ويكتب أسماء العاملين ويضبط أدوارهم
في العمل ويسجل الأدوات التي يعملون بها.
ارتفعت مكانة مرسي عند البدو وازداد تكريمه وتضييفه
والتقرب إليه ليتغاضى عنهم وليريحهم من العمل، فأصبح مرسي بخير وعافية،
وفرسه أيضاً نالها نصيبها من التكريم والتدليل حتى سمنت واشتدّت.
وتعارف الناس على تضييف مرسي في كل عرب ومضرب يذهب إليه.
في أحد الأيام يزور مرسي أحد الأشخاص اسمه أبو سليمان
تحت سدرة (شجرة)، وحدثت بينهم هذه المحادثة بطريقة فكاهيّة:
أبو سليمان: تحت سدرة أبو هولي حظر دهونهي وطلاهي
(أي حضروا ليناقشوا قضية مرسي الذي أصبح له نفوذ وتجبّر
عليهم)
مرسي: أبو سليمان حالٍ سريع حظّر للخَظرا عشاهي
(أي بسرعة يا أبو سليمان حضر عشاء للفرس)
سمن وبيض ولاني مريظ بسمن الظواين تقلاهي
(وحضّر لي أنا أيضاً عشاء من بيض مقلي بسمن الضأن فأنا
مستعجل (مش مريّظ))
أبو سليمان: ما معك خبر يا مرسي الحرمة ماتن معزاهي
(أي مات ما تملكه زوجتي من الغنم والماعز)
مرسي: إن كان ما عندها سمن تدوّر عند طنباهي
(إذا لم يوجد لدى زوجتك سمن فلتبحث عند جيرانها)
والله إن ما جابت السمن إني لاكسّر إيداهي
(يحلف مرسي إذا لم تحضر له زوجة أبو سليمان سمناً فسوف
يكسّر يديها)
إنت نوديك على بيروت والحرمة تطول رملاهي
(ننفيك أنت يا أبا سليمان إلى بيروت حتى تموت هناك وتظل
زوجتك طيلة حياتها أرملة)
لا بيها تمشي تتجوز ولا بيها تربي طناهي
(ولا يكون باستطاعتها أن تتزوج حينئذ، ولا تستطيع تربية
ابنها)
أبو سليمان: أنا خابرها يا مرسي غالب عشاهي خراهي
(أنا عهدت فرسك يا مرسي وهي غالباً ما تتغذى عليه هو
روثها)
مرسي: يا راجل إنت تحسدها لمّا أسعدها مولاهي
(أراد خالقها أن ينعمها وأنت تريد أن تحسدها)
فهذا نص شعري فكاهي حول مرسي وفرسه، ناقد لوضع قائم سنة
1930.
.JPG)
بداية الميول للأدب
بدأ ميولي للأدب يظهر منذ أن كنت في الصف الثاني،
فأصبحت في تلك الفترة أفهم المعاني العامّة للنصوص. فقد تتلمذتُ على يد
أبي رحمه الله- الذي كان مدرّساً منذ عام 1927 باعترافٍ كتّابي من
وزارة المعارف آنذاك، التي اعترفت بشهادة الكتّاب الذي يقوم عليه والدي
حتى الصف الخامس، في الوقت الذي لم توجد فيه مدارس في النقب إلا مدرسة
بئر السبع. كما تتلمذت أيضاً عند مرسي الرجل المصري صاحب القصّة
السابقة، أضف إلى ذلك أنه كانت لدينا مكتبة، وكنت أحظى بتشجيع مستمر
بالقراءة والمطالعة من والدي، وما أن أصبحت في الصف السادس حتى صرت
أستوعب كل موضوع أقرأه، وبالذات الأدب.
بداية كتاباتي
أول مقال كتبته كان سنة 1952، رداً على فيلم عُرض في
تلك الفترة اسمه "اكسودس" الذي يشبّه العرب بالحيوانات وأن لهم ذيول.
وعلى الرغم من أنني لم أشاهد الفيلم لانعدام الإمكانيات في حينه، إلا
أن ذلك أغاظني عندما قرأت عنه في الصحافة، فهو فيلم أسود في عصر العلم،
حاول طمس الهويّة العربية التي لا يمكن أن تطمس أو تمحى بتاتاً، ونشرته
في جريدة "الاتحاد" ومجلة "الجديد" تحت اسم (ابن النقب) خوفاً من
ملاحقة السلطات، في تلك الحقبة المظلمة فترة الحكم العسكري.
وكانت هذه القضية وغيرها من القضايا قد شدتني لإكمال
دراستي الجامعيّة، فسجلتُ للجامعة المفتوحة سنة 1958 عبر البريد الذي
يمر من مكتب الحاكم العسكري في بئر السبع إذ لم يكن لديّ عنوان، فكُشف
أمري من قبلهم لأن التواصل مع الجامعة كان عن طريقهم، فبعثوا إليّ إلى
البيت سيارة عسكرية، نزل منها أحد الجنود وقال لي: "إنت صالخ؟" قلت له:
"نعم.. أنا صالخ"، قال لي: "إنت بتتعلم في الجامعة المفتوحة؟" قلت له:
"نعم" قال لي: "الحاكم قال بيكفّي، إنت متعلّم كتير". ولم أستطع بعدها
أن أستمر في موضوع الدراسة الجامعيّة!!.
.JPG)
مواضيع شتى
أمسك القلم وأبدأ بالكتابة إذا رأيت أن الأمر هاماً،
فالمواضيع غير الهامة لا أكتب فيها، فإذا تأثرت بموضوع معيّن أو قضيةٍ
ما، عندها أتناول القلم وأبدأ بالكتابة. وإذا رأيت أن هناك حيفاً على
أمتنا العربيّة أو وجودنا في أرضنا أكتب، وإذا تهجّم علينا أحد بقولٍ
أو فعلٍ أكتب، وأرد عليه.
ومن المقالات الهامة التي كتبتها مقال رددت فيه على
مهندس البناء في دائرة الإسكان في بئر السبع، وكان ذلك في الثمانينيات،
حيث كتب في إحدى الصحف أن البدو يرغبون ويحبون السكن في المدن
والعمارات، والذي يمنعهم من ذلك هم الشيوخ. فرددت عليه بأننا الذين
ربينا في الصحراء وتعوّنا على السَّعَة لا نفضل السكن في المدن بشكل
مزدحم.
ولا يخفى في كتاباتي ميلي إلى الجانب السياسي بسبب
الوضع الذي كنّا ولا نزال نعيش فيه، فقد كنت ممن فُرضت عليهم الإقامة
الجبرية في عام الـ67 لمدة سنتين، خوفاً من إثارة الوضع في تلك الفترة،
ويشرفني أنني كنت العضو الفعّال من الجنوب في جمعيّة الأرض المحظورة
آنذاك، التي ألغيت وتغّير اسمها في بعض المناطق.
قراءات في الأدب العربي والعالمي
يصل عدد الكتب التي قرأتها في حياتي كلها إلى 200
كتاب أو يزيد على ذلك، من الأدب العربي والعالمي. وأكثر ما قرأت في
الأدب العربي هو للأديب والكاتب نجيب محفوظ، فله عندي أكثر من 70
كتاباً من أول قصّة كتبها، كما قرأت لتوفيق الحكيم ويوسف السباعي ولا
أنسى كتابه القيّم "طائر بين المحيطين" وكذلك لعبد الرحمن منيف الذي
كتب "مدن الملح"، وقرأت لمعظم الكتاب والأدباء العرب.
أما في الأدب الروسي فقرأت لتولستوي "الحرب والسلام"،
ولتشايخوفسكي "الحرب العالمية الثانية وآلامها".
ومن الأدب الأمريكي ايرنست هامنجواي "على روابي
إفريقيا الخضراء" و"بنادق العم كرار" و"الشيخ والبحر" و"نكون أو لا
نكون" وأنا معجب جداً به.
ومن الأدب العالمي قرأت لبيرل بك، وأوليفر تويست.
أهم وأغلى كتاب قرأته هو كتاب "الميثاق" الذي وضع في
قسم منه الأسس للقوميّة العربيّة آنذاك.
تأسيس جمعية التقدم والثقافة عام 1966
تأسست جمعيّة الثقافة والتقدم للبدو في تاريخ
5-4-1966 من عدة أشخاص، كنت أنا سكرتير الجمعيّة وصاحب الفكرة بالإضافة
إلى الشيخ موسى العطاونة ويونس العقبي ويوسف العصيبي وسليمان أبو جعفر.
كان العمل على جمع مبالغ مالية لدعم أبنائنا في دراستهم
الثانويّة في الطيبة والطيرة لأنه لم تكن لدينا مدرسة ثانوية. وقد
دفعني إلى ذلك أوضاعنا الصعبة وطموحي لإيجاد جيل متعلم.
.jpg)
مع الشعر والقصائد
أول قصيدة كتبتها صدرت مني بشكل عفوي، لشدة الانفعال
وتأثر نفسيتي وقتها، وبعد أن أنهيتها قرأتها ونظرت إليها ولم أصدق
بأنني أنا الذي كتبتها، فالظروف هي التي دفعتني لكتابة القصيدة بعنوان
"ما علينا".
كان ذلك سنة الـ90 ودفعني لكتابتها الوضع في العراق في
حرب الخليج الأولى، ونُشرت في عدة صحف محليّة، حيث صغتها بأسلوبٍ هزلي
ناقد، واخترت هذا الاسم لأن اليأس سريع عند البدو في أي موضوع يناقشوه
أو يعالجوه، وأول كلمة تصدر منهم عندما يستسلمون "ما علينا"، فإما أن
يسحب البدوي نفسه في هذه الحالة ويمشي أو ينصاع للطرف المقابل.
ثم بعد ذلك كل قصيدة ولها سبب، ومعظم قصائدي هي نقد
للمجتمع أو للسياسة.
الحالة النفسية عند نظم القصائد
عندما أتناول موضوعاً لأكتب فيه أكون في حالة صعبة
جداً، فدائماً الظروف هي التي تحكمني، وقد تستغرق كتابة الموضوع معي
يوماً أو يومين وأنا أفكّر فيه مجرّد تفكير، ولكن ما أن أمسك القلم حتى
تنهال علي الكلمات والتعابير كالمطر، ولا تستطيع يدي أن تتحمل هذا
السيل من الكلمات. وعندما أكتب البيت الأخير من القصيدة يكون العرق قد
تصبب من جبيني، ونَفَسي سريع والإرهاق قد اعتراني، وكأنني أنهيت مضمار
سباق.
أغلب القصائد تأتي بشكل عفوي، وفي بعض الحالات أفتعل
قصيدة افتعالاً تحرزاً من الوقوع في بعض الأخطاء، ومن القصائد التي
كتبتها بغير إرادتي، وتكلّفت فيها هي عن بيبي ناتنياهو في فترة رئاسته
للحكومة.
من قصائدي
• "ما علينا" وموضوعها أننا العرب انهزاميون.
• "صراع مع الأجيال" وهي تعكس صورة نقاش بين الجيل
الفائت والشباب، فأنا أميل دائماً إلى اللطف وتعزيز القيم التي بدأنا
نفقدها، ومن أمثلة ذلك أنه كان من المستحيل وأنا شاب أن أنادي على رجل
متقدم بالسن يا فلان باسمه، بل يا عم أو يا خال إجلالاً له واحتراماً،
ولو لم تكن تربطني به أي علاقة، لأن المجتمع يفرض عليّ ذلك، أما في هذه
الأيام فحفيدي وهو طفل صغير ينادي عليّ يا صالح..
• "رسالة إلى صديق" وهي عبارة عن رسالة إلى صديق وهو
إنسان مثقف وخائف من السلطة لذلك قطع علاقته بي.
• "ليت أمثالك كثير" كتبتها إلى صديقي الدكتور عبد
المعطي أبو جعفر.
وغيرها من القصائد العائلية التي أكتبها لأحفادي وأبناء
أسرتي.
أًنموذج من قصائدي
" تعال نبني سلاماً" كتبتها في تاريخ 24-4-1997 ونصها:
العم سام ينادي بيبي العزيز المظفر
مادلين اسمع تنادي اسمع واعقل وانظر
إن كنت تصغي إلينا يكون أمنك أكثر
سلاحنا في يديك ومالنا لك ينثر
وأمن شعبك نضمن أمنك علينا مقرر
في حب صهيون تبني نحن لجهدك نشكر
سياسة الخطوة خطوة في سفر صهيون تذكر
العرب بالسلم نادوا موضوعكم سوف ننظر
خذوا أخاكم إليكم نصيّر الشرق أخضر
صيروا عليهم ملوكاً وصيروهم كعسكر
شعب الحجارة هذا لحكمنا دوم ينكر
إن الفلسطيني هذا جهنم منه تهدر
ذقنا الأمرين منه لحقِّ صهيون يُنكر
هذا الفلسطيني صامد عن حقه لا يتقهقر
هذا صراع طويل وحقنا فيه يظهر
ونصرنا صار حتماً وظلمكم سوف يقهر
إن البقاء إلينا إن شئت ترضى وتنكر
تعال نحيا جميعا نصيّر الروض أخضر
لنبني شرقاً جديداً بعامل الخير يسمر
تعال نبني سلاماً فيه المودة تظهر
الحرب فيه دمار والسلم للخير أقدر
تأملات
أكتب الكثير من التأملات في مواضيع رد على صديق على
سبيل المثال، وفي قضايا الغش والخداع، وعندما يعرف الجميع أن الكل يكذب
على الكل، وعندما أشعر بأن هناك صراع بيني وبين نفسي، والكلام في
التأملات يطول...
والسؤال الذي يجب أن يُسأل هو: أين الجمهور القارئ؟
فأنت قبل أن تكتب قف مع نفسك وقفة وأسألها: لمن أكتب؟ |