|
د. دال نقطة
في كل محطةٍ من محطات هذه الزاوية، نلتقي أحد أبناء
الجنوب الذي يحمل شهادة الدكتوراة، ونسأله عن شخصه وعن مجتمعه، وعن
عطائه لهذا المجتمع.
يعدّ الزاوية ويجري اللقاءات: هيثم الهواشله
لقاء مع الدكتور محمد الحمامدة
.JPG)
بطاقة تعريف
محمد مسلّم حسين الحمامدة، مواليد 1952، من سكان شقيب
السلام، متزوج وأب لـ 6 أولاد.
إلتحقتُ بالمدرسة الابتدائية في مدرسة عرب العزازمة
سنة 1964، وجاء التحاقي بها متأخراً كثيراً حيث كان عمري 12 سنة. كانت
المدرسة بعيدةً عن مضارب عرب الحمامدة في شمال شقيب السلام بمحاذاة
شارع ديمونا – بئر السبع بينما كانت المدرسة في مكانها الحالي قرب وادي
النعم، فالمسافة التي كنت أقطعها يومياً في الاتجاه الواحد فقط هي عشرة
كيلومترات.
بداية المشوار
عندما التحقتُ بالمدرسة كنتُ أعرف القراءة والكتابة
بمجهودٍ شخصي، وفي ذلك العام أنهيتُ ثلاثة صفوف مرّة واحدة. لم تكن في
هذا الأمر صعوبةٌ لأن الصفوف الثلاثة كانت تُدرَّس في غرفة واحدة مقسمة
فيما بينها حسب الأسطر والترتيب في الحصّة، ويدرسها معلّم واحد يقسّم
وقته بين الصفوف الثلاثة. درستُ حتى سنة الـ 66 وأنهيت الصف الرابع
آنذاك.
ترك المدرسة وحنين للعودة إليها
إنتقلت العائلة لتسكن في الشمال في منطقة رحوبوت
(ديران بالتحديد)، وحاولتُ الاستمرار في الدراسة في الرملة ولكني لم
أفلح بسبب البعد.
ومن خلال مكوثي هناك تعودت على العمل وانجررت إليه،
والعمل والحصول على المادة في جيل المراهقة يغوي الشاب الصغير. عملتُ
حتى عام 1968 حيث رُحّل الأهل من منطقة المركز بسبب أحداث الـ 67 وعدنا
إلى النقب، ودائما كان ينتابني الأسف بسبب تركي المدرسة لأنني كنتُ
طالباً ممتازاً، وكان شوقي للرجوع إلى المدرسة مستمراً.
وفي العام الدراسي 68/69 عدتُ إلى المدرسة في أعلى صف
في ذلك الوقت وهو الصف السابع متخطياً الصفين الخامس والسادس، ولم يكن
الرجوع صدفةً بل كان مقصوداً ووجدتُ فيه فرصةً متحدياً الظروف، ورغم
رجوع الأهل إلى الشمال إلا أنني بقيت في النقب وحيداً، حبّاً في
الدراسة والتعليم. عملت كحارس، فقد كنت واعياً بسبب جيلي الكبير
نسبياً، وأنهيت في المدرسة الصف الثامن.
المرحلة الثانويّة
كنت مصمماً على إكمال دراستي الثانوية، فبحثت عن
ثانويّة جيدة، ذات رصيد في النجاح، إضافةً إلى كوني أحببت أن أختلط
بمجتمع آخر يختلف عن بيئة النقب.
شاءت الأقدار أن تكون هذه المدرسة هي ثانوية ترشيحا
في الجليل الأعلى، فقد درست فيها حتى أنهيت المرحلة عام 1974 حاصلاً
على شهادة البجروت.
بعد الثانويّة
سجلتُ لدراسة اللقب الأول في جامعة بن غوريون في
السنة نفسها التي أنهيتُ الثانوية فيها، ولكني أدركت سريعاً أن إعالة
عائلة مع متطلبات الدراسة هو أمر صعب، لذلك اتجهتُ إلى العمل.
لم يكن في تخطيطي أن أصبح معلماً، وكانت تساورني
أحلام وآمال حول مواضيع دراسيّة أكبر مقاماً وأكاديميّة من مهنة معلم.
ولكنني تزوجتُ في تلك الفترة ولم أرغب بأن أكون عبئاً اقتصادياً على
والدي العامل الأجير الذي عمل كثيراً لكي يغطي متطلباتي في فترة
الثانويّة، فانصرفتُ للعمل ونجحت فيه، حيث أصبحت مقاولاً ناجحاً في
مجال قطف الحمضيات في منطقة المركز ومكثت فيه سنتين.
المرحلة الأكاديمية
نتيجة لفتح الصف العربي لأول مرّة في كلية إعداد
المعلمين في بئر السبع والتحاق بعض معارفي وزملائي بهذا الصف، حيث أن
عملية تأهيل المعلمين تستغرق سنتين فقط، التحقتُ بدار المعلمين في فوج
1976 أي الفوج الثاني تاريخيّاً لوجود العرب من أبناء النقب في كلية
إعداد المعلمين في بئر السبع.
خلال دراستي، ولكي أوفّر متطلبات البيت ومتطلبات
الدراسة، عملتُ في أوقات فراغي كوكيل تأمين، وفي نهاية الأسبوع كنتُ
أعمل في محطة وقود، وفي أوقات بعد الظهر كنت أعمل في مصنع "بروم".
كل ذلك كان لكي لا أخسر دراستي، فمحبتي لها والإصرار
والإرادة القويّة على بلوغ أكبر قدر ممكن من المستوى الأكاديمي كانت
كبيرة جداً في نفسي، لأنني ببديهة البدوي ونتيجة التجربة والبلوغ
المبكّر ومخالطة الكبار، كان إدراكي بأن هذا المجتمع البدوي البسيط لا
بد وأن تتعقد عليه الأمور يوماً وهو بحاجة إلى قيادة واعية.
العمل في السلك التعليمي
أنهيتُ الدراسة في الكليّة بدرجة معلم مؤهل كبير،
وشغلت منصب مدير مدرسة الهواشلة عام 1985. وبطبيعة الحال من يشغل وظيفة
إدارة مدرسة في وزارة المعارف يُطلب منه أن يلتحق بدبلوم الإدارة في
الجامعة، وكل مواد دبلوم الإدارة هي مواد مطلوبة في تخصص اللقب الأول
في التربية، لذلك وفي أغلب الحالات كل من تعلّم هذا الدبلوم أكمله إلى
اللقب الأوّل في التربية، وهذا ما قمتُ به، فقد حصلت على اللقب الأول
عام 1991 من جامعة بن غوريون.
العمل الإداري وإكمال المسيرة في الدراسات العليا
في تلك الفترة نمت مدرسة شقيب السلام الإعداديّة
وتوسعت لتصبح ثانوية، حيث أتاحت وزارة المعارف بعد طلبات شديدة
ومتوالية مني، أن تتوسع المدرسة وتصبح مدرسة شاملة تضم المرحلتين
الإعدادية والثانويّة.
بطبيعة الحال لإيماني بأن القائد قدوة ومسئول عن
زملائه المعلمين أصحاب الألقاب الجامعيّة، ولأن على المسئول أن لا يكون
أدنى أكاديمياً من العاملين معه في سلك التعليم، ورغم أني أنهيت اللقب
الأول بتفوق وكان بإمكاني الاستمرار في اللقب الثاني على حساب الوزارة
وهذا حقي، غير أن الثمن الذي لم أكن مستعدّاً لدفعه هو ما يطلبه اللقب
من تغيّب عن العمل. لهذا التحقتُ ببرنامج في خارج البلاد (إنجلترا) حيث
يتم تعلّم اللقب الثاني خلال عطلة الصيف الكبيرة، وخلال 4 عطل متتالية
في 4 سنوات أنهيت اللقب الثاني في الإدارة التربوية سنة 1997. أما
اللقب الثالث فحصلت عليه من الأكاديميّة الروسيّة للعلوم-معهد الدراسات
الشرقيّة-، في موضوع الطفرة الاقتصاديّة للنفط وتأثيره على التنمية
الاجتماعيّة واقتصاد السوق في دولتي الكويت والمملكة العربية
السعوديّة، وحصلتُ على درجة الدكتوراة عام 2002.
.JPG)
لأجلك يا مجتمع
هموم المجتمع ككل، وتقدّم مجتمع البادية بالأخص،
وزيادة ثقافته وعلمه وإدراكه لما يدور حوله، ووعي هذا المجتمع لحقوقه
كانت هي الأكبر من الناحية الاجتماعيّة بالنسبة لي، وكذلك أقول وبكل
تواضع يجب أن يُكتب التاريخ بحروف من ذهب تلك الفترة من تاريخ التربية
والتعليم في النقب التي دخل فيها فوجنا كمعلمين في جهاز التربية
والتعليم.
لقد كانت هناك نقلة نوعيّة للأخذ بزمام الأمور
والمبادرة وإدراك المقولة "إن لم أكن لنفسي، فمن لي؟"، حيث إن جهاز
التربية والتعليم في الوسط البدوي وتاريخيّاً لم يكن بقيادة بدويّة من
عصر الأتراك وحتى قيام إسرائيل، وما زلنا إلى هذا اليوم نعاني من مشكلة
الاكتفاء الذاتي، إلا أن التحسن ملحوظ في هذا الجانب ونحن في الطريق
الصحيح نحو العلم والتقدم.
الوضع التعليمي كما تراه
الوضع التعليمي في النقب يعاني من خطأ جسيم في نجاعة
المجهود المبذول لأجل الإصلاح، فلقد وُجدت زعامات ووجدت لجان آباء وتمت
نقلة ملحوظة من جانب السياسيين ورجال التربية والمجتمع من أجل النهوض
وتحسين نتائج التربية والتعليم، ولكنها جميعا تصبّ في توفير المقومات
الأساسيّة كالمباني وتوفير المناهج ووسائل الإيضاح، ولكن هناك عامل في
نظري هو المصيري والقاطع ليتغير الوضع للأفضل، وهو مكانة التعليم ووضوح
أهدافه في نظر طالبه من أهل ومجتمع وطلاب.
الذي يحدث أن نتيجة المجهود أدّت إلى وعي أصبح بفضله
كل طالب يحظى بالتعلّم، وينتسب إلى مؤسسة من جيل ثلاث سنوات وحتى
الجامعة، ولكن هذا المجهود أتى بالكم ولم يفلح كثيراً في الحصول على
الكيف، حيث إنه وعندما كان أغلب الطلاب يتخلفون عن مقاعد الدراسة
لأسباب عديدة ومتنوعة كان من يباشر الدراسة رغم تلك الأسباب والظروف
يُعتبر مساهمة نوعيّة امتازت بقوة الإرادة وإدراك المنشود.
آخر المشوار، أطمح إلى...
أطمح إلى إكمال المسيرة بنفس المحبّة ونفس العرفان
بالجميل، وأن تبقى هذه الصورة بين أهلي.
أما طموحي الاجتماعي فهو أن ترسو سفينة التربية
والتعليم ومن خلالها كل المجتمع إلى بر الأمان، وأن تمر العاصفة التي
تميد بهذه السفينة دون أثر سيء يترك بصماته إلى زمن بعيد.
أقترح
أقترح على القيادات الاجتماعيّة الجديدة، رؤساء
المجالس، والتي باشرت بأخذ مكانتها في المجتمع وموظفي التربية والتعليم
أن يعوا نقطة وجوب قيادة هذا المجتمع ليتخطى حبال ولادته من تغيير
اجتماعي ومادي رهيب في عصر العولمة، والسباق الاقتصادي وتغيير القيم
والمفاهيم التي يمر بها هذا المجتمع في هذه الفترة من تاريخه، حيث أن
عوامل ذلك لا تعد ولا تحصى، متفرقة المصادر والأسباب، تحتاج إلى وعي
خاص وثقافة كبيرة وخطط يُسار عليها بعزم وإصرار حتى يحقق المجتمع
أهدافه.
نصيحة للطلاب
على طلاب العلم أن يدركوا حقيقة هامّة وهي "ما حكّ
جلدك مثل ظفرك"، فأكبر رصيد يجب رصده لنيل العلم هو ليس المال وليس
الشهادات وإنما الإرادة والإصرار وفن التعامل مع الزمن.
التسلح بالإرادة والإصرار وقضاء الوقت في المفيد هما
المقومان الهامّان لبلوغ الهدف في مجال العلم والتربية والتقدم فيهما،
وهذان المقومان مصدرهما وراعيهما الطالب نفسه، ولا يمكن أن نطلبها من
الأهل ولا يمكن أن نطلبها من المؤسسات ولا من أي مصدر آخر.
ماذا يعني لك ذلك؟ عَ السريع!
التراث؟
- العادات والتقاليد.
القلم؟
- الفكرة النيرة.
المجتمع؟
- مجال العمل.
الأم؟
- المعلم الأول.
الحاسوب؟
- أداة السرعة.
الصحراء؟
- صفاء القريحة.
الحياء؟
- في مكانه مقدّس
القمر؟
- الديمومة.
الانتماء؟
- الهويّة.
المدرسة؟
- مصنع الحياة. |