العدد  477     الثلاثاء 15/1/2008    7 محرّم 1429 هـ

ابن القرية (42) قصة متسلسة/ بقلم: نوري العقبي

  بعد أيامٍ قليلة من رفع الرايات البيضاء على بعض بيوت القرية، رأى وليدُ أفراداً من عصابات الأقوام الغازية يتمخترون في أزقّة قريته الأسيرة الحزينة. كان هؤلاء الأفراد يحملون السلاح، لكنّ قلوبهم كانت ترتجف كاللصوص, وهم يتحدثون بلغةٍ لا يفهمها أحدٌ من أهل القرية.

  كان وليد يراقب هذه الفرقة من الأقوام في قريته، وهو يشعر بالدم يغلي في عروقه ويجري حتى يصل إلى رأسه وعيونه من شدّة الغضب، لكنه لا يستطيع فعل شيء من شأنه دحر هذه الأقوام الغازية المعتدية التي احتلت المنطقة بكاملها, وهي تتجول فيها وتأمر الناس من أهلها بما ترغب وتريد بغير حق.

  كان الهدوء يخيم على القرية بأسرها. لا تسمع الآذانُ المصغيةُ فيها أيّ صوتٍ سوى أصوات ضربات أحذية أفراد عصابة الأقوام الغازية على أرض القرية، ونباح الكلاب الذي يصدر من هنا وهناك في أطراف القرية، وهي تنبح مذعورةً من هذا الغريب الذي يتحرك في القرية.

  مضت الأيامُ ثقيلةً بطيئة تزحف، والناس في قريتهم يعيشون في ترقّبٍ وخوف شديدين مما يشاهدون، ومما يجهلون. ولما حلّ موسم زراعة الأرض بالقمح والعدس والشعير كانت نفوسهم تحدّثهم والشك يراودهم وهم يسألون: هل سيحصدون الزرع أم ربما يُطردون أو يُقتلون؟! ولكن بالرغم من الهاجس والواقع الخطر المرعب المخيف خرج المزارعون من القرية كلٌّ إلى حقله في أرضه، ليزرعوا الزرع وليكن من الأمر ما يكون.

  لم يكن أحدٌ منهم يظن أن بعضهم ستقتلهم الأيدي الآثمة من أفراد عصابات الأقوام الغازية على أرضه، وأنه لن يعود حيّاً إلى أسرته, لكنّ الجريمة وقعت فعلاً وحدثت في نهاية الموسم الزراعي، حينما أغارت وحدةٌ من مجرمي عصابات الأقوام الغازية قبل المساء بقليل، وقتلت ثلاثةً من المزارعين العزّل الذين سالت دمائهم الزكية ليرتوي بها ترابُ الأرض ويسقي بذور الزرع.

   ومن ذاك الحين أصبحت لقمةُ العيش مغموسةً بالدّم حقّاً، وبعث اقترافُ الجريمة وقتلُ المزارعين في حقولهم الخوفَ والهلعَ في قلوب الناس، وازداد كثيراً.

  أقامت عائلات المغدورين بيوت عزاءٍ في القرية لأعزّائهم، وعمّ الحزنُ والأسى أبناءها كافة، الذين تجمعوا ليشاركوا جيرانهم حزنهم الشديد ومصابهم الكبير. وبينما بيوت العزاء مفتوحةً داهمت القريةَ فرقٌ من عصابات الأقوام الغازية لتأمر الناس بالتجمع في الساحة العامة، ثم حكمت على القسم الأعظم من أهل القرية بمغادرتها خلال ليلةٍ ونهارٍ إلى شرق النهر, ومن لا يطيع الأمر فسيكون مصيره الموت.

  لم تشفع الرايات البيضاء لأهل القرية وقد هاجمتها فرقٌ من عصابات الأقوام الغازية المتشددة, طوقت القرية من كل الاتجاهات ثم بدأت تطلق الرصاص في السماء بغزارة لترهب الأهل، فيما كانت النساء تولول باكيةً، والأطفال يصيحون خوفاً على الحياة والمصير.

  وقعت الكارثة على أهل القرية كالصاعقة، وهي التي للتو قبرت ثلاثةً من رجالها، وها هم الغالبية من أهلها سيرحلون منها قسراً إلى شرق النهر، تاركين الأرض والبيت والحبيب والقريب, وهم لا يعلمون ما الذي ينتظرهم بعد الرحيل إلى المكان البعيد عن  القرية.

   ولما جاء المساء كانت الإبل باركةً مستعدّةً ليضع أصحابها على ظهورها الأحمال من أثات البيوت الضرورية، التي تكفي لعيش الأسرة أياماً قليلة. وفي بداية الليل خرج الموكب الحزين نحو الشرق، لكن عصابات الأقوام الغازية كانت كامنةً لهم، فأوقفتهم وسلبتهم الذهب والمال, وصاحت النساء وصرخ الأطفال وهاج الرجال، لكنهم حمدوا ربهم بعد أن سلمت أرواحهم ونساؤهم والأطفال. وحين حطوا شرق النهر تذكروا الأهل, وتذكروا القرية والأرض وأيديهم التي لا تملك المال. 

  جاء صباح اليوم التالي وقد طلعت أول شمس على القرية بعد أن نفّذت عصابات الأقوام الغازية المعتدية عمليات القتل والطرد والتشريد ضد الكثيرين من أهل القرية الآمنة المسالمة، حتى المختار لم يسلم من الطرد أيضاً.

  لم يبقَ في القرية إلا القليل من أهلها، وفي ذلك الصباح كان أبو وليد جالساً في بيته يضرب يداً على يد، وهو لا يدري ماذا سيفعل، وكأنّ عالمه أصبح خراباً. وكان وليد ابنه يجلس في ركنٍ من البيت يراقب تصرفات أبيه وما يفعله، والشفقة والحيرة تسيطر على كيان وليد. وكانت لحظةً مثيرةً حين رأى وليدُ الدموع تنهمر من عيون أبيه، فلم يستطع البقاء في البيت ومشاهدة أبيه الرجل وهو يبكي كأنه فقد العالم كله.

  وحين نظر وليد إلى القرية وبيوتها التي خلت من أهلها لم يسيطر على نفسه وأجهش بالبكاء الشديد، حزناً على قريته والأهل الذين لم يتركوها إلا مُجبرين تحت تهديد ووعيد الأجانب من عصابات الأقوام الغازية المعتدية. وتمنى وليد لو استطاع التضحية بروحه في سبيل الأرض والقرية وأهلها.

  بقي وليد يتجول في القرية يدور حول البيوت الخالية من أهلها، لا يرى حولها إلا بعض الكلاب التي بقيت مسكينة وحدها من بعد الأهل.

  في المساء خرج أبو وليد يبحث عن ابنه وليد في أزقة القرية، وهو يصيح بأعلى صوته ينادي حتى وجده، وسار الاثنان جنباً إلى جنب نحو بيت الأسرة، وكان كلاهما ساكتاً لكنه يشعر بنارٍ في قلبه تشتعل ثورةً وتحدياً وعدمَ قبولٍ لواقع الكارثة وما جاءت به.

يتبع...

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007