العدد  478     الثلاثاء 22/1/2008    14 محرّم 1429 هـ

د. دال نقطة

في كل محطةٍ من محطات هذه الزاوية، نلتقي أحد أبناء الجنوب الذي يحمل شهادة الدكتوراة، ونسأله عن شخصه وعن مجتمعه، وعن عطائه لهذا المجتمع.

يعدّ الزاوية ويجري اللقاءات: هيثم الهواشله

 

لقاء مع الدكتور جهاد الصانع

بطاقة تعريف

  جهاد عبد الله الصانع، من مواليد الـ1968 في تل عراد، من سكان قرية اللقية، متزوج وأب لثلاثة أبناء.

  بدأتُ مسيرتي التعليمية في مدرسة تل عراد مسقط رأسي، حيث درستُ فيها الصف الأول، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مدرسة اللقية الابتدائية بعد أن انتقل أهلي للسكن فيها. درست فيها حتى الصف الثامن، وكما هو معروف لم تتوفر في القرية آنذاك كهرباء ولا ماء ولا شوارع معبدة، بالإضافة إلى وجود الكثير من الصعوبات التي وقفت أمامنا في حياتنا المدرسية، فعلى سبيل المثال كان الوصول إلى المدرسة من بين هذه الصعوبات.

  نرى اليوم أن غالبية هذه السلبيات أو النواقص قد زالت، وقد زالت أيضاً إيجابيات كانت موجودة، مثل قلة عدد الطلاب في الصف فلم يكن يتجاوز صفنا الـ 22 طالباً، ومنها أيضاً عدم وجود الكهرباء وهو الشيء الذي يولد عند الطلاب المسؤولية بالمطالعة والقراءة قبل مغيب الشمس، وكنا نضطر لاستعمال سراج الكاز لأداء واجباتنا البيتية، وهو ما يدفعني إلى الشعور الدائم بأن الطلاب في زماننا كانوا أكثر حرصاً ومحافظةً على دراستهم من أبناء اليوم.

 

تأثري بوالدي -رحمه الله-

  أحد الأطراف الرئيسة التي أثرت إيجابياً على دراستي بشكل عام، وتوجهي إلى الجانب العلمي بشكل خاص، هو والدي رحمه الله- لِما كان عنده من توجه إلى الاختراع والإبداع وإيجاد أشياء جديدة لا مثيل لها. ولا أنسى فكرته التي طبّقها على أرض الواقع وهي إيصال الماء إلى البيت من بركة ماء كان قد حفرها وبناها على سفح الجبل. فقد تأثرنا جميعنا أنا وإخوتي من أفكاره، وكان يستشيرنا في الأمور كلها.

 

المرحلة الثانوية

  درست المرحلة الثانوية في الكليّة الأرثوذوكسية العربية في حيفا، بعد أن نصحتني بذلك مجموعة من الشباب الجامعيين من منطقتنا، فهم الذين وجهوني أنا وبعض زملائي لإكمال المرحلة الثانوية هناك، فهي ثانوية جيدة بلا شك، وقد عمل هؤلاء الشباب على إرشادنا ومساعدتنا وأقاموا لنا دورة رياضيات. كان وجود هذه المجموعة المتعلمة هو العامل الأكبر في مرحلتي الثانوية وبالذات الدراسة في الكليّة الأرثوذوكسية العربية.

  في الصف العاشر اخترتُ التخصص في موضوع الفيزياء، وشعرت عندما بدأت بالتعليم بالضعف الكبير في اللغة الانجليزية، فكان الاختلاف واضحاً بين المستويين هنا في الجنوب عن الذي وجدناه في الشمال، فكان الطالب منا (من النقب) يستطيع أن يسدّ الفجوة في كثير من المواضيع خلال فصل أو فصلين إلا في اللغة الإنجليزية الذي ظل التحسن فيها صعباً.

 

نمط حياة جديد

  وجدنا في دراستنا الثانوية اختلافاً كبيراً في طريقة الحياة، في اللبس واللهجة، واختلطنا مع اليهود في المكان، وفجأةً ترى عرباً غير مسلمين للمرة الأولى.

  والجيّد أنه كان هناك تعاطفٌ معنا من قبل المعلمين، حيث كنا ستة طلاب، والأهالي كانوا داعمين جداً لتعليمنا في حيفا، والتشجيع كان من الجميع، كذلك الشعور لدى طلاب النقب بأن الطالب منهم كان مندوباً عن كل النقب، فقد كان الواحد حريصاً على عكس الصورة الطيبة لمجتمعنا البدوي.

  ومن الأشياء التي ساعدت على نجاحنا وتقدمنا التنافس الذي كان بيننا. تخرجتُ سنة 1986 ببجروت كامل.

   أثّر في ثقافتي الانفتاح الواسع في المجتمع الحيفاوي على الأدب العربي، فقد كانت عدة معارض كتب ومكتبات في حيفا، وإقامة مؤتمرات وندوات، وكذلك انفتاح المدرسة باتجاه العلوم كالكيمياء والفيزياء، وكان مستوى العلوم في المدرسة عالٍ.

 

الدخول إلى الجامعة واللقب والأول

  كانت الرغبة في إكمال دراستي الجامعيّة من المرحلة الابتدائية، بسبب الدعم العائلي في هذا الجانب، وكان الدور الأكبر لأبي الذي كان يشجعني على التعليم، وكان يرى بأنه يؤمِّن أبناءه ويكون أكثر طمأنينة عليهم إذا علّمهم، فكان مصّراً على تعليمنا وعلى أن يحصل ذلك سريعاً أيضاً.

  لم يكن هناك فاصل بين الثانوية والجامعة، فبدأت في الشهر الأول متخصصاً في موضوع الاقتصاد والحسابات في جامعة بن غوريون، ولكن أدركتُ سريعاً أن هذا الموضوع لا يناسبني ورأيت بأنه موضوع ممل جداً، ثم انتقلتُ إلى موضوع الرياضيات وعلم الحاسوب، وكان اتخاذي للقرار مبكراً في مكانه الصحيح لأنني أميل إلى هذه المواضيع وأحبها، وأنهيت السنة الأولى بمتطلبات هندسة الكهرباء بالإضافة إلى متطلبات الرياضيات وعلم الحاسوب بسبب الحيرة والتردّد بين التخصصين، الأمر الذي تطلَّب مني دراسة الفصل الصيفي أيضاً لكي يتسنى لي إكمال السنة الثانية في أحد التخصصين، إلا أنني استقريت أخيراً على موضوع الرياضيات وعلم الحاسوب.

  اجتهدتُ أن أنهي اللقب الأول في ثلاث سنوات، وهذا ما وُفقتُ في تحقيقه، وتخرجت منهياً اللقب الأول سنة 1990.

 

اللقب الثاني

  بعد أن أنهيت اللقب الأول لم تكن الصورة واضحةً أمامي، فلا أعرف ماذا سأعمل؟ وأين سأعمل؟ فلم تكن لي خبرة، ولم يكن هناك توجيه، ولم يكن هناك من يمكنك أن تسأله أو تتوجه إليه!.

  كان ذلك في نهاية السنة الثالثة، وأنا على عتبات التخرج من اللقب الأول.

  حاولتُ أن أرى ماذا يمكنني أن أعمل؟. عدم وجود الجواب لهذا التساؤل حدا بي إلى التسجيل مباشرةً لدراسة اللقب الثاني في الجامعة نفسها، فقد أحببتُ أن أتذوق الأبحاث، وهناك مزيدٌ من حرية الاختيار للمواد، وتستقل شيئاً ما في التعليم، وتقرأ بشكل أفضل، وتدير شؤونك لوحدك، كما فيها نوع من المتعة لأنك تبحث عن حلولٍ لمشاكل موجودة.

  تخصصتُ في اللقب الثاني في "الذكاء الصناعي" لأنه كان قريباً شيئاً ما إلى تخصصي في اللقب الأول، والموضوع كان بحدّ ذاته يبشر بمستقبلٍ أفضل، والمشاكل الموجودة فيه مثيرة. أنهيت اللقب الثاني سنة 1993.

  اتجهتُ بعدها إلى العمل في شركة "سايتكس" في هرتسيليا وهي تعمل على برمجة برامج في التصميم بشكل عام، وعملتُ فيها لمدة سنتين.

 

اللقب الثالث

  سنة 1995 أخذت منحةً من مؤسسة "فولبرايت"-الصندوق الأمريكي الإسرائيلي- للدكتوراة، وارتبطت بالخطوبة قبل أن أسافر إلى الولايات المتحدة، وفي شهر حزيران سنة 1995 سافرت إلى نيويورك وإلى جامعة ستوبيبروك تحديداً.

  تخصصت في مجال التصميم الهندسي والرسم المحوسب، واستمرت دراستي هناك لمدة أربع سنوات.

  استفدتُ كثيراً من هذه المرحلة وفي تلك البلاد بالذات، فقد اختلطت بطلاب من جميع أنحاء العالم، وليس فقط بالأمريكيين، وكوّنتُ صداقاتٍ مع طلاب من دول مختلفة، وتعرفت على أعراف وثقافات كثيرة ومتنوعة.

  كان زواجي في منتصف مرحلتي التعليمية للدكتوراة، أي بعد مرور سنتين، وسافرتُ أنا وزوجتي لإكمال الدراسة.

  كنتُ محظوظاً في الدراسة والبحث، فقد كان مرشدي شابّاً هنديّاً منفتحاً وطيباً جداً، ساعدني كثيراً في هذه المرحلة. أنهيتُ الدكتوراة في عام 1999، وكان موضوع بحثي "تبسيط مباني هندسية وتسريع رسمها".

 

العمل الحالي

  أعمل كمحاضر وباحث في قسم علم الحاسوب في جامعة بن غوريون في بئر السبع، وتريحني الحرية في مجالات الأبحاث التي أشرف عليها في مواضيع هندسيّة، وعندي اهتمام بالخط العربي والقراءة الأوتوماتيكية للخط العربي.

 

أبحاث أجريتها

  قمت بحوالي 45 بحث علمي نُشرت جميعها في مجلات علميّة.

قمت ببحث بالاشتراك مع مستشفى "سوروكا" حول الأولاد الذين يعانون من مرض السرطان، والذين يجدون تألماً وصعوبة في العلاج.

  أقوم ببحث في ترجمة خط اليد العربي، أي انتقال الخط الذي تكتب به بالقلم الالكتروني إلى خط محوسب.

 

تطوع من أجل المجتمع

  أتطوع في مجالاتٍ كثيرة، منها نشاطات تربوية في اللقية، وفي لجنة آباء، وأنا متطوع في رابطة "عهد" للأكاديميين العرب والمشاريع التي تعمل عليها، ففيها مجال واسع للعمل..

  أعمل على مساعدة الطلاب العرب في الجامعة بشكلٍ غير منظم.

 

قراءتي لوضع التعليم في النقب

  المشكلة في النقب بالدرجة الأولى، هي أن الطلاب الذين ينهون الثانوية لا يكونون مؤهلين للمرحلة الجامعيّة الأولى. فطلاب المرحلة الثانوية لا يبذلون الجهد المطلوب للتعلّم، والمدارس الثانويّة لا تدربهم أو تدعمهم وتوجههم للدراسة بالشكل المطلوب، فترى أن الطلاب الذين سيتقدمون بعد يومٍ لامتحان بجروت منفلتون يتجولون بدون اهتمامٍ بالموضوع!.

  هناك مفارقة بين تحصيل الطلاب في البجروت وامتحانات البسيخومتري! وعندها يجب أن نتساءل: إلى أي سبب يرجع ذلك؟! فعندما توجه السؤال إلى مجموعة المعلمين تجد النفي الكامل لعمليات الغش في امتحانات البجروت، بينما إذا استفردت بأحدهم حدّثك بالعجب العجاب في ذلك!.

  أنا أعتبر أن فترة الثانوية هي الفترة التي تصقل الطالب، وخسارة هذه المرحلة هي عملياً خسارة الطالب نفسه.

  هناك ارتفاع في عدد طلابنا في الكليات والجامعات بنسبة أكبر من أي وقتٍ مضى، والسبب في ذلك ليس ارتفاع مستوى التعليم وإنما انخفاض مستوى الجامعات.

  المأساة الأخرى أن الطلاب الذين تخرجوا من الثمانينيات حتى عام 1995 في العلوم الدقيقة أقل منهم بعد ذلك العام، ولاحظ أني أتكلم عن العدد وليس عن النسبة، ففي مجال العلوم الدقيقة والهندسة نرى الوضع لا يتحسّن.

  مدارسنا لا تزال تشدد على قضية التلقين وليس على قضية الإبداع والبحث التي تُعتبر غير موجودة تقريباً!.

 

نصيحة للطلاب

  تعلَّم الموضوع الذي تحب أن تتعلمه، فكل مجال تبدع فيه تجد نفسك فيه، بغضّ النظر عن الماديات.

* ليس هناك شيء يأتي بالمجان، والطرق المختصرة لا توصلك إلى الهدف، وأغلب الأشياء تتعلمها من أخطائك الشخصيّة.

* لا بد من جهود جبارة، والتعليم ليس بالشيء السهل، ولا شيء يأتي من الهواء.

* الذكاء وحده لا يكفي، فاليوم حتى في الجامعة تحتاج إلى 40% ذكاء و60% قراءة.

* كما أنصح بالقراءة من جيلٍ مبكر، لأن الطلاب الذين يقرأون في جيل صغير تتعدى طريقة تفكيرهم القراءة والكتابة.

* بالنسبة للجامعات فمهم أن يستنفذ الطالب قدراته، لأن صقل القدرات والمهارات يكون فقط باستنفاذها قي التعليم.

 

طموح واقتراحات وآراء

  أضع جهداً كبيراً في كيفية تحسين وضعنا في النقب، فهو الشيء الأهم بالنسبة لي، ويجب العمل عليه بشكل مشترك.

  يجب أن نركز في قرانا على التغيير من طبعها الأناني، فقد عشنا في مرحلتنا السابقة في مجتمع مشترك الكل للكل، الشق للكل، الدخل للكل...

  تحوّلنا اليوم إلى مجتمع ضيّق بعكس ماضينا، لا يعرف الشخص إلا بيته ودخله ونفسه.

  آن الأوان لمؤسساتنا أن تعطي الاحترام للفرد كفرد.

 

عَ السريع..

الصورة الأولى، اللمحة، الخلفيّة عندما تسمع..

الصباح؟

- شروق الشمس

السفر؟

- الطائرة

التقاليد؟

- بساطة البادية

التعليم؟

- المدرسة، اللوح

الرفاهية؟

- شارع نظيف

السياسة؟

- شيء مبهم

الحريّة؟

- التحليق في الهواء

البنك؟

- الاستغلال

الامتحانات؟

- معيار لا بد منه

المطر؟

-  الخير

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007