|
الذين كركروا..!
كمال أبو كف
كركر.. كركر.. كركر, هرهر.. هرهر.. هرهر, بربر.. بربر..
بربر, أصواتٌ كثيرة متداخلة متجانسة تصدرُ من مكانٍ ما, جوقةٌ موسيقية
كاملة تُصدر سيمفونيةً لو سمعها بيتهوفن لسجلها ضمن سيمفونياته التسع.
أصواتُ الكركرة تختلط بأصوات الجالسين.. دخانٌ يتصاعد رويداً.. رويداً،
بأشكال شيطانية متموجة تلتقي في أعلى المكان, تتجمع وتتكاتف وتقذف
بسمومها إلى الخارج, حيث المارة, كلقطةٍ من مقطع سينمائي في فيلم
هوليوودي..!.
هناك على بعد خطواتٍ من المكان كان يقف عشمان.. ينظر
إلى الدخان ويتساءل.. يا ترى كيف تخرج كل هذه الكمية من الدخان.. من
مكانٍ صغير كهذا..؟ ينظر وفي عينيه بريقٌ ولهفة وحب استطلاع في أن
يكتشف اللامعلوم, لكن هناك شعور غريزي لديه يلهمه بالتراجع والفرار..
تقدّم خطوتين وتراجع خطوة.. نظر إلى الداخل فرأى حلقات دخانية تتلوى
وتتراقص.. كأنها الشيطان يناديه.. تقدم, لا شعورياً دخل.. فرأى ما لا
رأت عيناه.. ولا سمعت أذناه.. الأصوات تصم أذنيه والدخان يداعب أنفه
ورئتيه.. صوتٌ يصيح في ذهنه, صوت شيطاني, الشيطان يعظ..! لا تقهقر في
زمن الملذة والشهوات.. استنشق, تعش, تنتعش, رأس بلا كَيف يُقطع, دخّن
عليها تنجلي, عش لحظتك وتهنا, الدنيا رايحة يا عشمان, روّح عن نفسك,
فرفشها..! لعب الفار في عبه.. الحجرة والحنجرة مليئتان بالدخان.. تصاعد
الدخان في رأسه ولعب بخلايا مخه.. الجمجمة تطلب المزيد.. فطلب بصوتٍ
جهوري يخلو من الحياء, تشوبه البلبلة.. واحد رأس عشمان للمعلم تفاحة..!
فأتت.. فانتشل من ذاكرته المحطمة أبياتاً, وأنشد يقول منتشياً..
رأيتها ليتني كنت من قبل أراها
تسير وقد أثقل الدلال ممشاها
تناولها وأكمل التغني..
دعوا عنكم لومي فإن اللوم إغراء
وداووني باللتي كانت هي الداء
هيفاء لا تنزل الأحزان ساحتها
إن مسها ضر مسته سراء
النرجيلة تشتعل وتتوهج, المعسل في الأرجيلة.. المياه
تكركر.. كركر, كركر, كركر, يملأ الدخان صدره, ويصل إلى خلايا مخه..
أخذ يدخن ويدخن.. ويدخن حتى بدا وسط الدخان جسداً بلا
رأس.. سطّل, إنتفخ النافوخ, تشربت خلاياه بالدخان.. إنتشت.. بدأ يغني..
يا دنيا هدّي, هدّي ما عليكي قدّي..
المكان خلا من الهواء.. لا أكسجين, الدم ينقل الدخان
بدلاً من الأكسجين, ألغيت الدورة الدموية.. دورة دخانية في جسد عشمان..
الدخان يصل إلى خلايا مخه لا غير.. أصيب بالدوار، سقط على أرضية
المكان, أغمي عليه, ونقل بسرعة البرق إلى المستشفى.. وهناك أُسعف.
بعدما أفاق, لسوء حظه, قال له الطبيب.. إن الدخان قد أثر في خلاياه
الوترية والصوتية وأنه قد أصيب بمرض مزمن نادر في حلقه..!.
بعد أسبوع من الحادثة.. قرر عشمان أن يلقي خطبة
الجمعة في المسجد من أجل أن يعتبر الشباب.. فقال بحرقةٍ شديدة.. "يا
أيها الذين كركروا".. توقّف, لم يستطع أن يتمّها, فخرجت من جوفه
أصوات.. غريبة, نادرة لم تنطق بها حنجرة بشرية من قبل.. كركر.. كركر..
كركر, هرهر.. هرهر.. هرهر, بربر.. بربر..بربر..! |