|
دمعة وابتسامة – قصة قصيرة
منى الحبانين
مع تساقط رذاذ المطر في ذالك اليوم الصيفي الشتوي...
تسابق فوج من الصبيان إلى خارج تلك البناية... قفزوا السلالم.. وتشابكت
أصابعهم الندية في وقفة دائرية وأطلقت حناجرهم الأغاني للمطر.. يرفعون
أعناقهم إلى الأعلى... ومنهم من يفتح فاه لتنزل قطرات الماء إلى جوفه
بضحكات لذيذةٍ بريئة.. مّر شيخ طاعن في السن بجوارهم رسمت ابتسامة
صفراء في أخاديد وجهه, ابتسامة ليست من الأعماق، فكل شي قد مات
داخله..., حتى الطفولة لا يوّد أن يتذكرها، فكل ما مضى أصبح مدفوناً
في أعماق أعماقه يخشى من أن يخونه الشعور ليرسم ذلك على تقاسيم وجهه.
- آه يرحم أيام زمان.
لفتت هذه العبارة أحد الصبية الذي كان قريباً من
المسنّ, فأسرع وراءه..
-جدّي.. جدّي.. ماذا تعني بهذه العبارة، وما هي أيام
زمان؟.
إلتفت الشيخُ إليه، أمسك بيديه وسارا معاً تحت السماء
التي تشرق بشمسها فرحاً بذاك الصبا المتمرد الذي يجدّد عهده مع الشمس،
للانطلاق نحو دفء الحياة, ومن ثم ينزل رذاذٌ من المطر دموع تسكب على كل
من يلوِّح للحياة بالوداع.
- إسمع يا عزيزي... سأصطحبك حيث أجلس في ذاك المجلس
القريب.
ضغط الصبي يديه بقوة كأنه يخاف أن يفلت منه ذلك الكهل
دون أن يجيبه على تساؤلاته، نظر إليه الشيخ، إبتسم هذه المرة ابتسامةً
عريضةً... نظر إليه الصبي بحنّو حتى اقتربا من المجلس، أشعل النار في
الموقد... وأخذ يدقّ حبات قهوته بأصواتٍ استمدّها من قوته الضعيفة. كم
كانت تلك الأصوات الرّنانة لمدّق المهباش تجمع حواليه جيرانه وكأنها
ألحان قيثارة حزينة تعزف مقطوعةً لشخص قد حطم قلبه الحب على ضفاف
بحيرة, شعر بالدفء من لهب النار، فبادر الشيخ:
-جدّي، لم تهلك نفسك لتطحن تلك الحبوب؟ بإمكانك شراء
القهوة من الدكان!.
- في نظري يا جدّي إن قهوتي التي أطحنها بيديّ هي التي
تُذهب صداع هذه السنين.. هل تشعر بالصداع يا صبي؟ خذ تلك الحبيبات..
تذوّقها كم تنعش الروح.. تفضل خذ.
أخذ يطحن بأسنانه المتينة تلك الحبيبات، إنتعش فعلاً
وبرقت عيناه، فنظر إلى قهوة الشيخ التي يطهوها على لهب النار.
- كم يا جدّي رائحتها زكية.
- أرأيت إن كل ما تجلبونه جاهزاً أنفر منه، حتى تلك
البيوت التي لا أرى الطبيعة من خلالها.
-أنت مخطىءٌ يا جدّي، فهنا تجد الكهرباء والماء ووسائل
الراحة التي تفتقها وأنت تجلس هنا بضوء خافت ودخان يسدّ أنفاسك.
- إن ما يسد أنفاسي يا بني تلك الجدران التي وُضعت بين
الأهل والأقارب, فكم أحنّ إلى تلك الجلسات مع الأهل والجيران في
الصحراء تحت ضوء القمر وقلوبنا نقية نقضيها في السمر.
- ولكن باستطاعتك أن تجلس هذه الجلسة في تلك المراكز
التي أُعدت للمسنين.
-بني, إن وجودهم في تلك المراكز إنما هو تخفيفُ عبءٍ عن
ذويهم, فكم من شيخٍ طاعنٍ يبكي بحُرقةٍ من الداخل وهو يلاعب تلك
الأوراق التي يعبث بها من القهر.
نظر الصبي إلى الأرض حين درجت دمعةٌ على ثنايا الشيخ،
فرغم صغر سنّه إلا أنه يعلم أن تلك الدمعة هي طوفانٌ من الداخل لأحزانٍ
وآهاتٍ تحدّثه به نفسه، فتأبى دمعة استعصاها تحجُّر عيني صاحبها إلا أن
تدمع.
قام مسرعاً وحضن الشيخ وكفكف دمعته بيده المرتجفة
وقال ضاحكاً:
- لم تخبرني بأيام زمان وقت سقوط المطر؟
قهقه الشيخ وانفرجت أساريره وقال مازحاً: كنا نمسك
بالصابون ونستحم تحت سقف السماء..
ضحك الصبي وقفل عائداً إلى بيته ونفسه تحدّثه بأن
يقوم ببناء خيمة جانب بيته الممل. |