العدد  478     الثلاثاء 22/1/2008    14 محرّم 1429 هـ

ابن القرية (43)

قصة متسلسلة/ بقلم: نوري العقبي

  حياة عوزٍ وفاقةٍ عاشها الناس، مكتظة صعبة، في غرب البلاد وشرقها، وذلك بعد أن قامت عصابات الأقوام الغازية بقتل وتشريد الكثير منهم وما بقي إلا القليل في أم الفحم والنقب والجليل.

  الكل يعيش ما بين الألم والأمل، وقد انقطع التواصل بين الأهل والأحبة، وأصبح الشرق معزولاً مبتوراً عن الغرب، والداخل مسلوخٌ عن الكل، في سجنه.

  حتى أخبار الأقربين انقطعت ولم يأتِ بها أحدٌ بسبب الأخطار وتعرّض الأرواح للهلاك، وهي التي كان يزهق منها الكثير في كل يوم على أيدي أفراد عصابات الغازية المعتدية.

  هكذا كان الحال وبقي حزيناً ذليلاً، والسنين تمر زاحفةً بطيئةً عديدة مليئة بالتعاسة والألم، ليس من أيامها يومٌ سعيد حتى ولا يوم عيد، هذا يمر بدون لذة ولا تمجيد، حتى لو كان بصيص أملٍ زهيد.

  كانت الجدّة والعمّة والخالة يجلسن ويتحدثن ويتساءلن: متى يلتئم الشمل؟ متى تلتئم الجراح؟ متى يبدأ الكفاح؟ هذا الذي يدحر الأعداء ويغسل العار ويعيد المجد لأهله، أهل الديار، يعطي الحب والإيمان للناس، كل الناس من صغارٍ وكبار.

  كان أبو السعيد يسعى مع بقية أفراد جماعته في تلك الأيام، وتحت ظروفٍ قاسيةٍ ليطوف غرب البلاد وشرقها، يسعى في تحضير أفواجٍ من الناس ليعملوا ليل نهار في سبيل التوعية والتذكير وعدم النسيان، وحمل راية العلم والكفاح. وتحقّق ما أرادت الجماعة، ونهل الشاب والشابة من العلم، وأصبحوا العمود الفقري والأرض الصلبة التي يقف عليها المجتمع والذاكرة القوية المحتفظة بالمفتاح.

  وكان للجماعة أيضاً ما أرادت، حيث قوي الجسم، جسم المجتمع، واشتدّت عضلاته وأصبح الكلام والخطاب ذا معنىً، والكلمة كالرصاصة. وكان أبو السعيد وأفراد الجماعة فرحين للغاية، وقد أيقن الجميع منهم أن الوطن عائدٌ لا محالة، هذا ما دامت الأجيال ساهرةً في كل حارة، فبالعلم والقوة والشهامة والبسالة سيعود الحق حتماً لأصحابه.

  أما أبا الوليد فكان يبذل جهداً خاصاً مستمراً ليسمع بعض أخبار الجماعة، هذه الأخبار التي أصبحت معدومةً إلا القيل منها ما زال يصل متسرباً، لكنه حينما جاءته أخبار الجماعة وسمع ما تقوم به من فعالياتٍ وأعمالٍ سارّة، فرح بعض الشيء لها، وارتفعت معنوياته. كما أدرك أبو وليد أن أبا السعيد أصبح متقدماً في العمر، سنيّه كثيرة، ولا بد أن يحمل الجيلُ الجديد الراية. وكان إيمانه قد أصبح قوياً بأن القضية أصبحت في أيدٍ قوية، جيلاً بعد جيل، مهما طال الزمن وتبدّلت الحال والأجيال.

  لم تكتف الأقوام الغازية بالاستيلاء على أرض الوطن وخيراته، بل قطفت ثمار بياراته وحصدت قمح الشهداء والمشردين، وسخّرت الأيدي في بناء البيوت والطرقات وكل الأعمال الشاقة.

يتبع...

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007