العدد  479     الثلاثاء 29/1/2008    21 محرّم 1429 هـ

 ابن القرية (44)

قصة متسلسلة/ بقلم: نوري العقبي

  بعد أن أيقن أبو السعيد بما كان وحصل، وعرف أن ثورة شعبٍ تحدث أمامه فعلاً لا قولاً، ارتاح ضميره قليلاً كبقية الكثيرين من أصحابه أفراد الجماعة، وهم الذين استوفوا ما استطاعوا من عملٍ بين الجماهير في المخيمات المكتظة بالناس الذين شُرّدوا من بيوتهم وحطت بهم الظروف والأقدار في خيامٍ لا تقي أسرهم برد الشتاء ولا تردّ عنهم حرّ الصيف.

  كما أن قدرات الجماعة أدركت مداها ووصلت القمة من حيث التفاني والعطاء، وانتقلت الراية بحكم الواقع والجيل والحاجة من الأيدي الأمينة إلى أخرى شابة، أمينة هي أيضاً، إلى الجيل الشاب الذي جاء حين وقوع الكارثة مسلَّحاً بالعلم والإيمان العظيم وعدالة قضية شعبٍ شُرّد من وطنه، قضية مقدسة صلبةٍ كالصخر الذي لا يلين ولا يهتز لهبوب العواصف مهما كانت قوية.

  كان أبو السعيد يتأمل الحال وهو هادىء البال، والنفس راضية للرجل الذي يحب الحياة ويتمنى لنفسه كما لغيره حياةً سعيدة لسنين طويلة، يعيشها ليكون شاهداً ليرى الناس يهدمون الخيام ويعودون أفواجاً إلى بيوتهم في مدنهم وقراهم وبواديهم، يعمرون ما استطاعوا في الأرض بيوتاً وحدائق حتى المساجد والكنائس، ليعود المجد للتاريخ والدّين من جديد. وحتى يلقى الناس ما بقي سالماً، هذا إذا سلم شيء، كذلك يبحثون عما ضاع واندثر، يبحثون عن مقابر الآباء والأجداد التي دنستها الأيدي الآثمة ونبشتها وبعثرت العظام في الأرض بدون خشية.

  وجاء الخريف ثم الشتاء والربيع، وقامت ثورة شعبٍ فرحت لها العقول والقلوب المؤمنة، ورقصت لها الأرض والسماء، وارتجفت منها قلوب الأعداء خيفةً وريبة.

  كانت أخبار ثورة شعب قد عمت الدنيا بأسرها، علم بها العدو والصديق، حتى وليد في قريته الذي فرح لها كثيراً، واحتل الأمل خاطره ودنياه وهو ينتظر عودة جميع أهل قريته إلى بيوتهم من جديد، ويسعد الناس في حياتهم بحقولهم وزرعهم والحصيد، والأغنام ترعى في السهول تأكل من الأعشاب لتدر الحليب، والأمهات في بيوتهن يطهين الخبز والرز بالزبيب، ليأكل أهل البيت والجار الحبيب، والديوك تصيح كل فجرٍ حتى يخرج الفلاح يعمل في حقله، والكلاب تنبح لتطرد الذئاب التي تهاجم الضأن من بعيد ومن قريب، والأولاد يذهبون إلى مدرستهم من جديد طلباً للعلم والتجديد، حتى وليد الذي خسر المدرسة والزملاء والكثير من الجيران الذين يتوق لهم كل صباح ومساء، ينظر إلى بيوتهم المهجورة وحقولهم الخالية من سنابل القمح التي كانت تتمايل راقصةً عندما تهب نسماتٌ من الهواء، وهي تبعث أصواتاً بعد انقطاع، تنادي الطيور للطعام، فتأتي لتأكل من النعمة حتى تمتلىء وتثقل الحواصل ثم تطير لتغرد في السماء.

  كانت فرحة وليد غامرةً حين عم خبر قيامِ ثورة شعبٍ عظيمة جداً، وكان ينتظر شروق الشمس في اليوم التالي حتى يخرج ليتفقد بيوت القرية التي طُرد منها أهلها حين دخلتها عصابات الأقوام الغازية، يتفقد حقولها وكرومها والحواكير، يأكل حبات من التين، أو ربما لا يأكل إلا بإذن من صاحب كرم التين.

يتبع..

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007