|
د. دال نقطة
في كل محطةٍ من محطات هذه الزاوية، نلتقي أحد أبناء الجنوب الذي
يحمل شهادة الدكتوراة، ونسأله عن شخصه وعن مجتمعه، وعن عطائه لهذا المجتمع.
يعدّ الزاوية ويجري اللقاءات: هيثم الهواشله
لقاء مع الدكتور محمد أبو نجا

بطاقة
محمد سليمان أبو نجا، من مواليد تل الملح عام 1968، من سكان
كسيفة، متزوج وأب لسبعة أبناء.
التنشئة التعليمية
قبل
المدرسة
أنا الابن الأكبر لأبي، علّمني جدّي محمد –رحمه الله- وكان
شيخاً كبيراً يدرّس في الكتاب الأحرف والأرقام، فدخلت الصف الأول -إذ لم يكن
وقتها بساتين ولا روضات- وأنا أعرف كل الأحرف وبداية الأرقام.
المدرسة الابتدائية
دخلت الصف الأول في مدرسة تل الملح الابتدائية في موقعها
الأول حيث يتواجد اليوم مطار "نباطيم"، ولا تزال معالمها موجودةً إلى اليوم.
درست فيها حتى الصف السابع ثم انتقلنا مع مدرستنا عندما رحلنا من أرض تل الملح
إلى قرية كسيفة، وأكملت فيها الصف الثامن في موقعها الحالي، وكان ذلك سنة 1982.
لا أزال أذكر حبّ الدراسة وشغفها، وكنت ممن يحبّون الدراسة
بشكل كبير، وأقدّر المسئولية، فلم أكن أنتظر من أحدٍ أن يقول لي "حِل وظائفك"،
ولعل ذلك ما جعلني من البارزين في الصف.
ما يميّز تلك الفترة تلك الصورة التي لا تزال عالقةً في ذهني
حول الحالة الاقتصادية الصعبة التي كانت تعصف بالمجتمع ككل، والتي لا توفّر
جوّاً مناسباً للتعليم، فلم أكن أشارك في أيٍّ من الفعاليات الاجتماعيّة بسبب
الوضع الاقتصادي، ولا أنسى أنني حُرمت من رحلةٍ في الصف الثاني للسبب ذاته. ومن
مظاهر ذلك أيضاً أنني كنت مشتركاً مع عمٍ لي في نفس الكتب حتى الصف السادس،
نجلس على نفس الطاولة وندرس في كتابٍ واحد!.
لا أدري، لعلّ هذه الظروف زادت من تمسكي بالمدرسة وأوجدت عندي
ذلك التحدّي للوضع القائم، فلم تكن هناك في البيئة القريبة أهميّة للمدرسة
والتعليم، بل كان الشغل الشاغل والاهتمام كله منصبّاً على تيسير أمور الحياة
اليوميّة فقط.
.JPG)
المرحلة الثانويّة
درست سنتين في مدرسة كسيفة الثانوية، الصفّين التاسع والعاشر،
حيث لم يكن مجال للدراسة في غيرها، وكان ذلك سنة 1983.
تميّزتُ فيها بشكل واضح، وبرزت كأحد الطلاب المتفوقين في
المدرسة، وبدأت أميل من تلك المرحلة للمواضيع العلميّة. لكن لم يرُق لي الوضع،
لأن الإطار والتخصص الموجود في مدرسة كسيفة لم يكن يلائمني، فالتخصص الوحيد
الموجود هو التخصص الأدبي.
هذا الأمر اضطرني للبحث عن مدرسة أخرى، لأن بقائي في التخصص
الأدبي يعني ضياعي لأنني لم أستطع استيعابه، فكانت التفكير في أن أنتقل إلى
مدرسة أخرى، ووجدتُ على ذلك مساعدةً ودعم الأهل، كما كان للمدير سليمان
الزبارقة -رحمه الله- دوراً وفضلاً كبيراً، فهو الذي أخذني بسيارته وساعدني في
التسجيل في مدرسة الطيرة الثانوية.
الفترة الثانية من المرحلة الثانوية
سجلت لمدرسة الطيرة الثانوية لأكمل الصفّين الحادي عشر
والثاني عشر، وتخصصت في موضوع الكيمياء، وكانت الفروق واضحة جداً بين طلاب
الجنوب وطلاب الشمال، وخاصةً أنني بدأت من الصفّ الحادي عشر وكان صفي قد بدأ في
دراسة المادة المقررة من الصف العاشر، وكانوا قد قطعوا شوطاً فيها، ولكن بجهودي
الشخصيّة المتواضعة استطعت تدارك الأمر وتحصيل ما فاتني.
كانت مرحلة جميلةً جدّاً، رغم ما فيها من معاناة الغربة بدون
أب ولا أم ولا اخوة... تعوّدت على العيش بشكل مستقل، وأخذت دوراً أكبر من
المسئولية في جميع المجالات، لدرجة أنني أصبحت أعمل يوم الجمعة لمساعدة أهلي في
مصاريف التعليم.
من الأشياء التي شجعتني هي ظروفي في الغربة، والنظرة إليّ
كبدوي قادم من قلب الصحراء أوجدت في داخلي تحدٍّ للوضع القائم.
تخرجت من المدرسة سنة 1987 ببجروت كامل وبتفوق.
التسجيل المباشر للجامعة والحاسم في الأمر
سجلت مباشرةً في جامعة بن غوريون وفي الجامعة العبرية في
القدس أيضاً، وتم قبولي في كليهما، الا أنهم في الجامعة العبرية اشترطوا عليّ
اجتياز دورة في اللغة الإنجليزيّة، ولكن الذي حسم الأمر هو الوضع المادّي فلم
يكن بمقدوري أن أدخل الجامعة تلك السنة، الأمر الذي اضطرني إلى الاتجاه للعمل
وادّخار ما يمكن ادخاره للسنة القادمة.
في السنة الدراسية 1988-1989 سجلت للجامعتين أيضاً لزيادة
إمكانية قبولي، واستقر بي الأمر في جامعة بن غوريون التي تم قبولي فيها
أوتوماتيكياً، ودخلت قسم الرياضيات وعلم الحاسوب بتخصص رياضيات.
في السنة الأولى كنت أدرس وأرجع إلى البيت يومياً، فواجهتني
صعوباتٌ جمّة، فمن ناحيةٍ أولى كنت أقاسي صعوبة المواصلات، ومن ناحية أخرى
صعوبة العيش في محيطٍ لا يعيش ولا يدرك ما يعيشه الطالب الجامعي، وخاصة أن
تخصصي في الرياضيات، ففي بعض الأيام لم أكن أخرج من البيت لشيء غير الدراسة إلا
للصلاة، فجعلني ذلك في غربة وضايقني كثيراً ولم أر له حلاً إلا بالسكن في مساكن
الجامعة، وهذا ما فعلته.
وما أريد قوله عن تلك الفترة هو نقص التوجيه، فلم يكن هناك
توجيهٌ في اختيار التخصص من أي طرف أو جهة، فأنا اخترت الموضوع بدافع وميول
شخصية بدون نصيحة أو إرشاد، وأنا أعرف الكثير من النماذج ومن الزملاء الذين
كانوا مثلي، الذين لو وجدوا التوجيه والرعاية لوصلوا إلى ما وصلتُ إليه، ولكننا
خسرناهم للأسف الشديد، فقد توجهوا إلى اتجاهات مختلفة غير التعليم.
كانت الدراسة في سلّم أولوياتي، ولم يكن في تخطيطي أن أكمل
إلى الدكتوراة، بل كانت تلك أحلام وآمال مجرّدة!.
أنهيت اللقب الأول سنة 1991.
.JPG)
الاتجاه إلى سلك التعليم
بعد ذلك اتجهت إلى التدريس، وبدأت أدرِّس في مدرسة رهط
الثانوية. عملت فيها لسنة واحدة، ويمكن لي أن أسميها نقطة البداية، فقد كان
لديّ تخيّلٌ عجيب بالنسبة لتدريس الرياضيات، وكنت أظنّ أن كل إنسان يفهم
الرياضيات، لكنني عندما دخلت على الصفوف لأول مرة وجدت الطلاب يستصعبون
الرياضيات، فكان ذلك بمثابة صدمة بالنسبة لي، حيث كان ذلك خلاف ما كان في فكري
وتقديري!.
تعلمت من هذه السنة الكثير، كمعرفة طرق تدريس الرياضيات،
ومراعاة الفروق الفردية بين الطلاب.
وبعد سنة انتقلت للتدريس في مدرسة كسيفة الثانوية، وعملت فيها
بين السنوات 1992-2005، كمركّز لموضوع الرياضيات ومربٍّ، وعملت على فتح فرع 4
و5 وحدات رياضيات.
الماجستير
خلال عملي في المدرسة سجلّتُ لدراسة الماجستير في الرياضيات
في جامعة بن غوريون سنة 1993، وعملت بالإضافة لذلك كمدرّس مساعد في الجامعة.
وما استجدّ في هذه المرحلة هو الأسلوب في التعامل مع المادة،
ففي البكالوريوس أنت تتلقى المعلومات، وتتعلم أغلب المواضيع، أما الماجستير فهي
مرحلة تجريب ومقدمة للدكتوراة، أي مرحلة انتقالية، فمن جانب واحدٍ تتعلم فيها
بعض المواد، ومن جانب آخر تقوم بتقديم بحث في مجال تخصصك. وقد كان بحثي في
تدريس الرياضيات لأنني مطّلع على هذا الأمر.
أنهيت الماجستير سنة 1995 وبدأت أدرِّس في كليّة "كي" والتي
لا أزال فيها حتى هذا اليوم.
.JPG)
الدكتوراة
في الحقيقة لم تكن عندي النية لإكمال اللقب الثالث الدكتوراة-
عندما أنهيت الماجستير، ولكن هناك بعض الحوافز التي دفعتني إلى ذلك، منها عملي
في الكلية والمناداة علي بدكتور وأنا لم أحصل بعد على شهادة الدكتوراة، فشعرت
بـأن الواقع دفعني إلى ذلك!!.
كان مطروحاً أن أسافر إلى خارج البلاد من أجل ذلك، ولكن
الظروف لم تكن سهلة بسبب كوني متزوجاً ورب أسرة، فنصحني البعض بعدم الإقدام على
تلك الخطوة، وهو ما أندم عليه في الوقت الحالي.
سجلّت في الجامعة نفسها في بئر السبع للقب الثالث سنة 2000
واستمرت دراستي لمدة 4 سنوات، حيث أنهيت بحثي في آخر السنة الرابعة وكان بعنوان
"استعمال الحواسيب البيانية في تدريس البيانات وتأثيرها على صور ومستويات
التفكير عند طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية في موضوع الدوال".
إمتازت هذه الفترة بشعور الدارس الحقيقي أنه يعمل في الأبحاث
ويتعمق فيها، فهي بحثٌ عن فكرة جديدة أو طرح جديد من أجل عرضه للعالم، ويجب أن
لا يكون أحدٌ في العالم قد سبقك إلى هذا البحث أو هذه الفكرة!.
العمل الحالي
أعمل حالياً محاضراً ومرشداً في كلية "كي" وكلية "أحفا" في
الرياضيات وأساليب تدريسها، وأعمل مرشداً في المدارس الإعدادية.
أبحاث أجريتها
أجريت عدة أبحاث في مجال تدريس الرياضيات، وخصوصاً استعمال
الحواسيب البيانية من أجل تسهيل فهم الطلاب لمصطلحات رياضية، ومنها:
* تأثير استعمال الحواسيب البيانية على فهم الطلاب لمصطلح عائلة
الدوال.
* نادي الرياضيات للممتازين.
* العوامل التي تؤدي إلى عدم التحاق الطلاب العرب في الجنوب
بقسم العلوم وقسم الهندسة في الجامعات، وفشل كثيرٍ ممن التحقوا.
* نظرة المعلمين إلى التدريس بواسطة الحاسبة البيانية.
تطوع من أجل المجتمع
منذ أن أنهيت اللقب الأول عملت مع مجموعة من الأكاديميين على
تأسيس رابطة "الخوارزمي" للتعليم العالي كرابطة لدعم الطلاب. عملت فيها كعضو
ورئيس، وكنت مركزاً لمشروع "بجروت 100" الذي كان يهدف لرفع عدد ومستوى الطلاب
الذين يلتحقون بالجامعات.
أنا اليوم عضو في رابطة "عهد"، ونعمل جادّين على رفع مستوى
التعليم في الجنوب من خلال إقامة مدرسة للعلوم والتكنولوجيا حيث أرأس اللجنة
المكلفة بذلك.
وضعنا التعليمي، كيف تراه؟
الواقع صعبٌ ومرير، لأسباب عدة، وأكثرها تتعلق بنا نحن
المجتمع البدوي، لأن رسالة المدرّس قد انمحت وزالت، والنظرة اليوم إلى التدريس
وشهادة التدريس لم تعد كما كانت سابقاً على أنها رسالة مقدّسة ربانيّة، بل
أصبحت لغرض مادي بحت واعتُبرت للأسف الشديد بديلاً سهلاً مريحاً لأي عملٍ آخر.
ما يقلقني هو دخول الكثير من الطلاب إلى الكليات ببجروت "غير
نزيه" مما يدلّ على أن الشهادة هي المبتغى الوحيد لهؤلاء الطلاب، بغض النظر عن
النتائج المترتبة على ذلك، وما زاد الأمر سوءاً هو محاولة حصول بعض الطلاب على
علامة بسيخومتري "غير نزيهة" أيضاً!.
أغاظَني يوماً، عندما كنت مشتركاً في لجنةٍ لإجراء مقابلات مع
الطلاب المرشحين للقبول للكلية، جوابُ أحد الطلاب عندما سألته: "لماذا اخترتَ
أن تكون مدرٍّساً؟"، فكانت إجابته غريبة: "هي مهنةٌ سهلة، أسهل من العمل في
الفنادق، حيث تخرج من البيت الساعة الثامنة وترجع الساعة الثانية عشرة، ولديك
أوقات فراغ كثيرة"..... آلمتني كثيراً تلك الإجابة، ولك أن تتخيل إلى أين وصل
بنا المطاف؟!.
ما نلمسه في الجامعات والكليات هو طغيان الجانب المادي على
الناس، فالكل يريد أن يأخذ شهادة، والأدهى من ذلك من يريد ذلك بدون أن يتعلّم،
والتعيينات التي تحصل في مؤسساتنا التعليمية على أساس عائلي وليست على أساس
الكفاءات.
توجيهات ونصائح
مجتمعنا بحاجة إلى جهود كبيرة جدّاً، أولاً تغيير داخلي في
بعض الصفات غير المحمودة، كالتعصب القبلي والأنانية.
ينقصنا المتعلمون في جميع المجالات، المثقفون المفكرون.....
أنصح الأهل بدعم الأبناء وتشجيعهم على الكد والاجتهاد للتعلم
بصدق، والحصول على نتائج تؤهلهم لإكمال الدراسة مستقبلاً.
وأنصح الطلاب في الثانويات والكليات بالدراسة، وبتقوى الله،
وأن لا يأخذوا أماكن غيرهم.
عَ السريع.. مذا يعني لك ذلك؟
الكتاب؟ مصدر ومرجع
الاقتصاد؟ أداة للتقدم
البيت؟ الأولاد
المرأة؟ شريكة
القلم؟ بداية الكتابة
المجتمع؟ بيئة الكتابة
الأم؟ حنان يفوق الوصف
الحاسوب؟ عالم السرعة
الحياء؟ قمة الأخلاق
الانتماء؟ الوطن |