|
ابن القرية (45) - قصة متسلسلة

بقلم: نوري العقبي
ساد القريةَ هدوءٌ وسكون، لا حركة ولا صوت بشر لحظة شروق
الشمس التي بدأت أشعتها الذهبية تطل رويداً رويداً على قرية وليد الحزينة، من
خلف التلال، وتتسرب من بين أغصان أشجار التين والرمان إلى داخل البيوت من
النوافذ، حين لا يُسمع للناس حديثٌ ولا كلام، لكن كل من يصغي يستطيع سماع زقزقة
العصافير وثغاء نعجةٍ تبحث عن طليها، هذا الذي خرج للتو جديداً من أحشائها،
لترضعه من حليبها الذي يمتلىء به ضرعها الذي يكاد ينفجر، وقد بدأ الطلي الحركة
وهو يرتجف، يحاول الوقوف فيقع ثم يقف على أربعته التي تكاد لا تحمل جسمه الذي
خرج للدنيا قبل قليل. وبعد أن يقف بين رجلي أمه وهو يبحث بفيه عن ضرعها المليء
بالحليب، ويهتدي إليه في النهاية، بقدرة قادر، يلتقمه وأمه تدير رأسها لتداعبه
بأنفها في أسفل ظهره حتى تشم رائحته، وكأنها تريد ألا يذهب لبنها لغير طليها.
وحين يلتقط الطلي ضرع أمه النعجة يبدأ بهز ذنبه إلى الجانبين بسرعةٍ وقوة،
علامةً على النجاح والرضا، ولا يتوقف والحليب يسيل في حلقه ليستقر في معدته
لأول مرةٍ بعد ولادته.
وكان وليد قد خرج في ذلك الصباح يمشي على الطريق وفي الأزقة
بين بيوت القرية التي أصبحت شبه مهجورة لا يسكنها إلا القليل من السكان،
والكثير من البيوت خالية من أهلها. وكان وليد، وهو يسير ينظر إلى الكروم وأشجار
التين المحملة بالثمر الناضج الذي لا يجد أيادٍ تقطفه ولا أفواه تأكله، والكثير
منه يتساقط على الأرض وبعضه تأكله الطيور والدبابير على الشجر، هذه التي عششت
في قمم أشجار التين وتحت كروم العنب بعد أن غاب أصحابها والأهل عنها.
تذكّر وليد جدّه الحاج محمد وهو يتجول في القرية وحقولها
وسهولها، تذكر كلامه وأحلامه التي أصبحت حقيقة، كما تذكر حصان جدّه الأصيل الذي
كان يمتطيه بينما اليوم أصبح عاجزاً عن الحركة والجري السريع مثلما كان حاله
أيام العز والسعادة التي انتهت منذ احتلت الأقوام الغازية البلاد بالكامل
تقريباً. هذه الأقوام التي اعتدت على الوطن والشعب وشرّدت الكثير من الناس
وقتلت الكثير، بإيعازٍ من الغرب وتأييده حين تآمر على حق أهل البلاد التي وعد
الأقوام الغازية بها، وقد انتهت تلك الحقبة المشئومة والزمان الذي لن يعود.
أما اليوم، فلا بد من البحث عن الجياد الأصيلة الصغيرة
القوية، ليمتطيها فرسانٌ شباب منتصبو القامة شجعان أقوياء، يأخذون بالثأر
ويمحون العار ويطردون الأعداء من الوطن والديار.
عاد وليد بعد جولته في القرية إلى بيت أسرته في طرف القرية
الجنوبي، عاد ليجد أباه حائراً لا يدري كيف يلتقي أفراد الجماعة الذين انقطعت
أخبارهم حتى يشاركهم الرأي والقرار بسبب غياب التواصل وتقطيع الوطن إلى أجزاء
ثلاثة.
-تمت- |