العدد  482     الثلاثاء 19/2/2008    12 صَفَر  1429 هـ

عاد إلى مقاعد الدراسة ليتميز فيها بعد فراقٍ دام 23 سنة

تقرير: هيثم الهواشلة

  قلّما تجد إنساناً عاد إلى مقعده الدراسي بعد مدة طويلة كهذه، ليرجع من جديد، يحضّر دروسه ويرتب أوراقه، يدرس، يراجع. مدة يقضيها بين مواعيد الامتحانات، وأخرى بين الأبحاث والمختبرات.

  فريد العقبي، المكنى بـ"أبو نايف"، أنهى دراسته الثانوية في عام 1983 في الطيبة، وعاد ليكمل دراسته الأكاديمية في الكلية التكنولوجية في بئر السبع عام 2006، تفوّق وتميّز وحصل على معدل 94.6 في السنة الأولى، ولم يزده كِبر سنّه إلا عزماً وإصراراً على التعليم. زرته في بيته، سألته عن قصته مع الدراسة والتميّز، وأعددتُ التقرير التالي:

 

أصل الفكرة

  منذ أن أنهى تعليمه الثانوي ظلت فكرة إكماله للدراسة الجامعية تراوده، سجلّ للجامعة منذ البداية، ولكن الظروف المحيطة به وزواجه وانشغاله كان السبب في التأجيل المستمر، ومرت السنوات وكانت لا تزيده إلا بُعداً عن العودة إلى التعليم مجدداً.

  لكن قراره بالعودة للتعليم، يرجع الفضل فيه إلى الدعم والتشجيع الدائم من الأهل، وخاصة من أم نايف التي لم تتردد في توجيهه وترغيبه في الدراسة، ولا يمكن في الوقت نفسه أن نتغاضى عن دور الوالدين الذي كان له حضورٌ كبير في الموضوع.

 

الخلفية العلمية والثقافية

  درس المرحلة الثانوية في الطيبة وتخرّج منها سنة 1983، في تخصص الفيزياء والرياضيات. كان ميالاً دائماً إلى المواضيع العلمية، تقدم وقتها إلى امتحان البسيخومتري وحصل على علامة تؤهله لدخول الجامعة، إلا أن عوامل عديدة، كالوضع المادي والزواج المبكر والانشغال في توفير لقمة العيش وتربية الأبناء، حالت دون ذلك.

  كان الحنين للتعليم مرافقاً له طيلة هذه المدة، وظل مقتنعاً بأنه سيأتي اليوم الذي سيدخل فيه إلى السلك الأكاديمي.

 

الفرصة الذهبية

  في أواخر عام 2006 وبداية عام 2007 فتح مجلس أبو بسمة الإقليمي المجال لمائة طالب من الوسط العربي في الجنوب للدراسة في الكلية التكنولوجية في بئر السبع على حسابه، مع توفير المواصلات لهم وتقديم منح مالية للطلاب المتميزين من قِبل وزارة الصناعة والتجارة والعمل، مما وفّر فرصة ذهبية أمامه وسجّل لموضوع "هندساني كيمياء"، ونجح في امتحان القبول الذي تقدم له.

 

المحفزات

  من الأمور التي حفزته كان التعليم المجاني، وهو الشيء الذي لا يتوفر للشخص دائماً، كذلك العمل المضمون في شركة "إنتل" للطلاب الذين يتميزون، حيث أن مندوبةً عن الشركة تتواصل مع هؤلاء الطلاب طيلة الفترة الدراسية. وفريد ضمن مجموعةٍ مكونة من ستة طلاب متفوقين، تشكّلت بعد انتهاء السنة الأولى، ومن المقرر أن تعقد لقاءات متكررة مع مندوبي الشركة خلال هذه السنة، ويجب على الطالب أن يستمر في هذا المسار وأن ينهي التعليم بنجاح وأن تتوفر فيه الشروط التي تطلبها الشركة في نهاية التعليم.

  يقول أبو نايف: "من الأشياء التي شجعتني وجود من هو أكبر مني يدرس ويتعلم، فلست أنا الوحيد في هذا الجيل على مقاعد الدراسة".

 

الأب والابن يدرسان معاً

  بدأ أبو نايف الدراسة مع ابنه نايف، سجّل هو لموضوع هندساني كيمياء وسجّل ابنه نايف لموضوع هندساني برمجة، في نفس الكلية وفي نفس السنة. كان ذلك خارجاً عن العادة ومستغرَباً من قبل الكثيرين، يذهبان إلى الكلية معاً ويرجعان معاً، تجاوزت العلاقة بينهما من علاقة أبوّة إلى علاقة زمالة على مقاعد الدراسة!.

 

نايف العقبي ووالده

 

الأب يتعلم والابن يعمل.. ووعود ذهبت أدراج الرياح

  بعد انتهاء السنة الأولى ضاقت عليهما الأمور، فلم يستطيعا إكمال الدراسة لما يتطلبه البيت من مصاريف، فكان الحل أن يؤجل أحدهما الدراسة ليعمل ويوفر ما هو مطلوب ولازم، ويستمر الثاني في الدراسة، فوقع الاختيار على نايف بأن يتجه إلى العمل، ويؤجل الدراسة إلى أن ينتهي أبو نايف منها.

  عرض مشكلته على رئيس الحكومة إيهود أولمرط عندما زار الكلية وقابله الطلاب، طلب أن يرجع نايف إلى الدراسة، وأنه سيحول الأمر لمن يقدم له المساعدة والدعم، وحتى الآن لم يتوجه إليه أحد!.

 

كيف أثر فيه كبر سنه؟

  عندما بدأ الدراسة، في الأيام الأولى دارت في خاطره تساؤلاتٌ كثيرة، "كيف سأستمر في الدراسة مع طلابٍ أنهوا الثانوية بالأمس وأنا تركتها منذ ثلاثة وعشرين عاماً؟، الفجوة هائلة والمادة الأساسية التي يجب أن تتوفر عندي نسيتها؟".

  كان صعباً حقاً، ولكن ساعده في كبر سنة الانضباط الذي يتحلى به، وأخذ الأمور بجديّة، وليس كمن يأتي ويذهب فقط ليجرب الفرص ويضيع الوقت!.

  قرر أن يثابر وينجح، وضع النجاح ولا شيء غيره صوب عينيه، وسعى لاغتنام الفرصة التي قد لا تتكرر ثانية.

 

علاقته بزملائه

  الكثير ممن يدرسون معه هم من جيل ابنه بل وأصغر. في البداية كانت هناك صعوبة في التأقلم مع الطلاب الذين يصغرونه بكثير، لكن بعد فترة تفتحت العلاقة بينه وبينهم، يعامل الجميع معاملة جيدة، وهو كإنسان مجرب في الحياة يحترم جميع الناس، علاقته مع الكل حميمة، مع المدير والسكرتيرة والمحاضرين والطلاب وحتى مع العامين في الكلية.

  أوجد ذلك جوّاً من المودة والاستقرار والهدوء ساعده كثيراً من الناحية المعنوية.

 

لماذا الكيمياء بالذات؟

  قبل أن يبدأ الدراسة لم تكن عنده أدنى خلفيه عن موضوع الكيمياء، إلا أنه أختار هذا الموضوع لضيق الاختيارات، فقد كان مخيراً بين موضوعي الكيمياء والتكييف والتبريد، فاختار الكيمياء لأنه مطلوب اليوم في سوق العمل. لكن قناعته الدائمة كانت أنه لا يوجد شيء مستحيل أو صعب، فالنجاح حليف كل إنسان مثابر وجدّي.

 

كلمات لا تنسى

  عندما سجل للكلية كان قد تقدّم لها 200 طالب رغم أن المطلوب 100 فقط، فأُجريت للمتقدمين امتحاناتٌ لاختيار أفضل مائة طالب، وحصل فريد على علامة تفوق في هذا الامتحان، وقُبل للدراسة. وعندما التقته السكرتيرة قالت له: "إنك كبير في العمر، اجتزتَ الامتحان، وقُبلت للدراسة، فأنا أحذرك من أن تترك الدراسة، لأن الكثيرين من كبار السن يتركون بعد فترة وجيزة من بداية الدراسة، وسوف يأتي اليوم الذي نحتفل بك وأنت من المتميزين".

  وفعلاً، مع انتهاء السنة الدراسية الأولى حصل على معدل 94.6 ومُنح شهادة تميّز من الكلية، وأصر أن يأخذ الأسرة بأكملها إلى الاحتفال لتكتمل الفرحة.

  كثيراً ما يناديه المدير العام: "يا شيخ المخللاه"، لكبر سنه.

   إطبع                                         أرسل إلى صديق

العودة إلى صفحة العناوين

 

مطلوب

مجلس حورة المحلي

 

 

 

 | أضفنا للمفضلة|    |  اجعلنا صفحة البداية |     | أسئلة وأجوبة |   | أحصل على الصحيفة عبر البريد | 

| مقاييس فنية |    | نماذج ضريبية |  

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة أخبار النقب ©1988-2007