العدد  491     الثلاثاء 22/4/2008    16 ربيع الآخر 1429 هـ

العودةُ إلى مَجدل عَسقلان

قصة قصيرة / عُمر حَمّش*

في فجرٍ حائر هبّت العجوز

في فجرٍ حائر!

سحبت ثوباً مخبوءاً منذ عقود

في نول المجدل نسجه المقصوفُ

تُخرجه الآن موشّى، أخضر، فأحمر

جنّة فنار

القبّة على الصّدر الضّامر مربّعة

وعلى الرأس المرتجّ المِنديلُ حرير

وتعود أمّ التسعين مهرولةً

إلى مَجدلِ عَسقلان!

قررتِ العودة َإلى آخرِ مشهدٍ في الدنيا

دبكة معقودة قُدام البحر!

تحجلُ فيها

في وادي النّملِ!

وتهزُّ الصدر النافر َبذات الثوب

أمام الزوج

في عُرسٍ راقصٍ لبنتِ الجيران!

رأته الآن يجيء!

على خاصرته يعقد يُمناه

ويحرك ساقيه

يتمايلُ، ثمّ يحتدّ

ليدقّ الأرضَ

بضرباتٍ موزونة!

وإلى الزفة يجيء القصفُ!

القصفُ يجيء!

القصفُ !

القص!

فْ!

تمزقت الزفةُ، والحشدُ تناثرَ!

وتحتَ التوتةِ همدتْ مذهولة!

ببطنِ الجذع!

الآن تعودُ، فيبتسمُ الفجر!

قالت ليدِها العجفاءِ، وهي تلوح:

ندم الشيطانُ!

قالت ليدها : خرجَ اليهودُ!

تاب منْ لا يتوبُ !

ورأت العجوزُ وروداً تسكنُ عينيها !

فهتفتْ متراقصةً:

الدنيا ورد!

ورد!

ور

د!

* * * * *

وعصفور في الفجرِ ينادي!

الابن يصرخ، فيهُبوا !

خرجت العجوزُ!

فعلتها !

هرولَ للصندوقِ المتصديءِ!

فما وجد المفتاح!

قالت : سأعود!

الابنُ دوماً متهيئ، والكنّةُ، والأحفاد !

فعلتها !

هاموا في الطرقات، انضمّ اللاجئون!

إذاعات صاحتْ، ومساجدُ صارت تعلن!

البناتُ وصلنَ مع الأزواج!

تباعدوا واقتربوا، تعاتبوا، وتشاجروا !

صاحَ الابنُ: هلكنا!

الفصائلُ خجلى جاءتْ، والأحزابُ

أصحابُ لِحى، وعلمانيون!

لكنّ الشمسَ ابتعدتْ!

في حلقِ الابنِ اللهبُ

وفي ساقيهِ اشتعلتْ نار!

* * * * *

الشيطانُ زيّن لها شعبا ًيعود!

جموعا محملةً، وجموعا تسير!

رقصوا على رجف الطبول!

وفي الرأس المهتزّ احتدّت زغاريد!

شوشانا الصفراء في الغيم أيضا جاءت!

هيّا شوشانا

خذي ما جلبتي!

خذي معك استر، خذي راحيل!

وجاءت أواخر أيام!

شوشانا في المجدل تقبض رأس البصل مقابل دلو الرمل!

يا شوشانا هاتي الرمل، لأجلي بعض أوان!

ابتعد الرمل يا شوشانا!

ابتعد الرمل!

شوشانا تشترط أن تقبض رأس البصل!

لتتمّ الأمر!

هيّا شوشانا إلى بلاد المروك عودي!

أزف الوقت!

يا مروكية عودي!

وشوشانا خلف سياج، كانت ترقص يوما مع راحيل:

إحنا بنات الهاجانا

سبع ملوك ما تلقانا

صيّفنا في فلسطين

وشرق الأردن مشتانا!

وتصيح العجوز الآن

مشهرة المفتاح!

هذا نحن يا شوشانا!

جئنا

نحضن دورنا

ونقبّل باحات جامعنا المملوكيّ!

يا شوشانا!

والعائدة صارت تتحسس جنبات الجامع!

فتأتي خطوات الغائب!

يتبختر بحزامه الشاميّ

وعلى الكتف تستلقي عباءته!

وعن بعد بعيد لثمت مواطئ قدميه!

و جنبات الديوان!

الشارع المؤدي للميدان!

شجرة زينة استندت عليها معه !

ورأت باب الدكان، كائنا كما كان!

رأت البيع فيه والشراء!

من حوانيت يافا بضاعته!

وحرير الأنوال!

ولحظات صفوة كانت تأتي!

يغلق المقصوف الباب، ليأخذها صبيّة بعمر الورد!

بتشممها!

ويشعل فيها النار!

وتعود شوشانا مع اليهوديات تغني!

محمد مات!

مات، مات!

خلّف بنات!

بنات!

فينشقّ القلب!

شوشانا كانت تصفق مع المجلوبات الكفوف!

وللصبيّة يهززن عجيزات يائسات!

* * * * *

كأسطوانة دار الابن، ونشف الحلق

ارتجّت ساقاه!

العتمة صارت غولا، وليس في مرمى العين أمل!

عادت العجوز!

كيف تعود؟

كان يقول:

اليهود في المجدل يا أمّي !

تصرخ دوما شاردة:

يا شيخ عوض!!

ومقام الشيخ!

لم تأته الدراويش منذ عقود!

ويراوده خاطر أن يخبرها :

عراة يأتون الضريح!

صار خلوة بهم تضجّ!

بالبحر شيخنا يستجير

فيناديه البحر

والشيخ يردّ:

خذني!

تصيح:

دستور يا شيخ!

لكنّ الشيخ يغور!

يهوي أسفل سيقان المخمورين!

يلاطمه نباح وشبق الموتورين!

وتلتاع العجوز!

أعود لساعة سعيّ في وادي النّمل!

وأموت راضية على رأس الضريح!

ووادي النمل بطاح يا أمّي

بلا جموع!

بلا أغان، ولا طقوس!

العجوز لا تسمع من