|
الطفل الهولندي.. وابن عقيل
بقلم: محمد يونس
يتداول الناس في هولندا، قصةً تعتبر روح الأمة وكيانها،
ودلالةً على المسئولية التي يتحلى بها سكان تلك الدولة المنخفضة تحت سطح البحر،
المشتهرة بكثرة سدودها المائية.
تقول القصة إن طفلاً في الثامنة من عمره، من مدينة هارلم
(عاصمة جنوب هولندا)، خرج من المدينة باتجاه الطرف الثاني من سدّ "الفولدر"
المحليّ، لكي يسّلم بعض الكعك لرجلٍ أعمى.
وفي طريق عودته، لاحظ الطفلُ وجودَ ثغرةٍ صغيرةٍ في السدّ،
فيما كانت المياه تنبثق منه. فأدرك الطفل أن المياه قد تجرف السدّ وبالتالي
تفيض على المدينة وتسبب لها الدمار، فقفز إلى الساتر الترابي الذي يتكوّن منه
السدّ، ووضع اصبعه على الفتحة.

نادى الطفلُ بأعلى صوته طالباً المساعدة، لكنّ أحداً لم يسمع
نداءه، فبقي في مكانه طوال تلك الليلة الباردة جالساً عند السدّ، واضعاً اصبعه
على الفتحة حتى لا تتدفق المياه.
وعند ساعات الفجر، لاحظ أحد السكان الطفل، وأسرع لطلب النجدة،
فوصل الأهالي وعالجوا الفتحة الموجودة في السدّ، وأصبح الطفلُ مثلاً يُحتذى،
واحتفظت به ذاكرة الهولنديين وما زالت إلى يومنا هذا.
***
كنتُ قد سمعتُ هذه القصة من أحد المدرّسين قبل سنواتٍ طويلة،
عندما كنتُ طالباً في المرحلة الإعدادية، وبقيت في ذاكرتي.. حتى جاء اليوم الذي
قرأتُ فيه عن قصةٍ شبيهة وقعت في جنوب بلادنا، أحيت لديّ الثقة والأمل بوجود
الخير والمسئولية في مجتمعنا وأمتنا، وأننا يمكننا استقاء الأمثلة من تاريخنا
وواقعنا، ولسنا بحاجةٍ لأمثلةٍ من شعوبٍ أخرى، وإن كانت المعرفة بحدّ ذاتها
ليست عيباً.
تقول القصة، التي يذكرها موقع "الاخوان" على شبكة الانترنت،
إنه حينما كان الجيش المصري يخوض غمار المعارك العنيفة في منطقة بئر السبع، كان
هناك أعرابيٌ يُدعى "ابن عقيل". وكان هذا الأعرابي واسع الحيلة عظيم الشجاعة
خبيراً بمسالك الصحراء ودروبها، مما حدا بقائد منطقة عصلوج في ذلك الوقت
اليوزباشى عبد المنعم عبد الرؤوف أن يستغلّه في وضع الألغام على طريق اليهود،
فأدى الرجل دوره ببراعة وإخلاص يستحقان التقدير والإعجاب. ثم نُقل هذا
اليوزباشى بفرقته وحل محلّه آخرون، واستمر هذا البدوي يؤدي دوره حتى بدأت
المأساة التي كادت تودي به.
ذلك أنه عثر على عددٍ من الألغام الضخمة التي وضعها اليهود
على طريق الجيش المصري. ولما كان الرجل قد اكتسب خبرةً في الألغام لاشتغاله بها
وقتاً طويلاً، فقد نجح في نزعها من الطريق وحملها في كيسٍ على كتفه ومضى فخوراً
بعمله ليوصلها إلى قيادة الجيش في المنطقة، ورآه الجنود من الحراس يحمل ألغاماً
على ظهره فقبضوا عليه وأخذوا يتصايحون: جاسوس ... جاسوس، وانهالوا عليه ضرباً
دون سؤال أو جواب، والرجل يحاول إقناعهم دون جدوى، ثم تحسسوا بدنه فإذا هو
(مختوم) بعدّة أختام ترمز إلى عدد الأمراض التي أصيب بها في حياته!!.
والعجيب، وهذا موضع العجب كله، أن تؤمن القيادة المحلية بأنه
جاسوس وتشكِّل له محاكمة عسكرية لتحاكمه بتهمة الخيانة العظمى. ولم يكن المجلس
العسكري في حاجةٍ إلى مزيد من الأدلة فأصدر حكمه بإعدامه. وكان المفروض أن
تستمر هذه المهزلة إلى نهايتها لولا أن تدخّل قدر الله في آخر لحظة إذ تقدم أحد
أعيان البدو وكان يعلم القصة كلها باسترحامٍ إلى الجهات المسئولة يرجو إعادة
النظر في قضية هذا المجاهد البائس.
وأعيدت المحاكمة وتشكَّل له مجلسٌ عسكري جديد، وطلب الأعرابي
في هذه المرة شهادة اليوزباشى عبد المنعم عبد الرءوف الذي جاء ليؤدي شهادة الحق
وليبين تعدّد الخدمات التي أداها الرجل ومن بينها:
إنقاذ أحمد سالم باشا ورتلٍ من السيارات العسكرية معه، وكانوا
على وشك أن يطأوا لغماً هائلاً وضعه اليهود في طريقهم، وكان صاحبنا يراقب ذلك
من مكمنٍ قريبٍ وحاول نزعها فلم يستطع، فظلّ يحرسهاً وقتاً طويلاً ليمنع أيّ
أحد من الاقتراب إليها (وهذا هو المثال الذي يشبه قصة الولد الهولندي).
وأمام هذه الحجج الدامغة لم يجد المجلس العسكري بدّاً من
تبرئته مع منحة مالية وهبها له المجلس من جيبه الخاص، ولولا الظروف وحدها لنفذ
حكم الإعدام في هذا المسكين ولأزهقت روح بريئة ظلماً وعدواناً!.
***
وقد كان صلى الله عليه وسلم أعظم خلق الله وفاءً بالوعد، حتى
جاء عن عبد الله بن أبي الحمسا رضي الله عنه أنه قال: (بايعتُ النبيّ قبل
أن يُبعث وبقِيت له بقيةٌ فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت ثم ذكرتُ بعد
ثلاث، فجئتُ فإذا هو في مكانه، فقال يا فتى لقد شققتَ عليّ أنا ههنا منذ ثلاث
أنتظرك) رواه أبو داود في سننه.
ولعل هذا المثال دليل إضافي ليس على الوفاء بالعهد فحسب، بل
على المسئولية التي يجب أن يتحلى بها المرء، فعندما يقطع عهداً لإنسانٍ ويطلب
منه أن ينتظره في مكانٍ ما في ساعةٍ ما، ليس من المسئولية أن يتركه هكذا.. ثم
لا يأتي إلى الموعد، بل الأنكى من ذلك ألا يتصل ولا يعتذر!!. |