صفحة البداية  | من نحن  | إتصل بنا  | أرشيف الموقع 

اليوم الأربعاء   الموافق  8-9-2010م

عتابٌ... شديدُ اللهجة!
بقلم العامل الاجتماعي: سليمان القريني- رهط
تاريخ النشر : الاثنين 8/2/2010م     عدد مرات القراءة= 859 ارسل لصديق أطبع الموضوع

تكبير الخط تصغير الخط

 
 حبُّ الغيرِ والاكتراثُ بهمومهم، والمبالاة لما يدور حولَنا، وتفضيلُ المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، والنخوةُ والتضامنُ الاجتماعي، الذي ميّز المجتمع العربي في النقب على مدار عشرات بل مئات السنين، معظم هذه القيم الاجتماعية النبيلة ذهب أدراج الرياح في زماننا وحلّ محلها الجشع، والحسد، وانعدام التكاتف الاجتماعي، وطغيان المصلحة الشخصية على المصلحة العامة وخصالٌ سلبية أخرى.

  ولذلك أصبحنا مجتمعاً تزداد عللُه يوماً بعد يوم، وتتفشى فيه مظاهرُ فسادٍ كثيرة مثل العنف المستشري في كلِّ إطارٍ اجتماعي، ناهيك عن الانحلال الأخلاقي وانتهاك الحرمات والتهاون مع الفاسدين والمفسدين وترقيتهم في السلم الاجتماعي بدل أن يُنبذوا ويتم إقصاؤهم من المجتمع.

 

أسباب العلة

 نظرةُ تحليلٍ إلى واقِعِنا توحي بأسباب العلة، وهي:

السبب الأول هو الفراغ الذي تركته المؤسسات الاجتماعية المختلفة، وهي القطاع الأول (المؤسسات الحكومية والسلطات المحلية)، والقطاع الثاني (رجال الأعمال) والقطاع الثالث (الجمعيات، الأكاديميين والمنظمات الاجتماعية). هذه القطاعات الثلاثة لم تبنِ حتى اليوم شراكةً حقيقيةً مقرونةً باستراتيجية وبرامج عمل واضحة وعمليّة لتغيير الوضع الاجتماعي، وإنما انفرد كلُّ قطاعٍ بعمله دون التعاون مع الآخرين من أجل مواجهة التحديات الكبيرة التي نقف أمامها.

السبب الثاني هو الفراغ التربوي الذي طوّرته الأسرة، والتي ألقت مهمة التربية وصقل الإنسان وبنائه على الشارع أو التلفاز أو على أطرٍ اجتماعيةٍ أخرى مثل المدارس والمراكز الجماهيرية أو مضارب العشيرة أو القبيلة.

السبب الثالث هو غيابُ دورِ معظم الأكاديميين والقياديين من بيننا، فالهمّ الأول والأخير لمعظم الأكاديميين هو الحصول على شهادةٍ جامعيةٍ والارتقاء في السلم الاجتماعي وكسب المال، ولو طلبتَ من أغلبهم التبرع أو التطوع لمجتمعه لقال لك: 'أنا مشغولٌ طيلة أيام الأسبوع ولا أجد وقتاً لأحكّ رأسي' مع أنه يجد وقتاً للنزهات والجلسات الفارغة وأمورٍ شخصية أخرى.

 أما غالبية الشخصيات القيادية فتظهرُ فقط حين اندلاع خصومات اجتماعية أو عند اقتراب موعد الانتخابات للسلطات المحليةمن أجل تجنيد الأصوات لصالح مرشحٍ يبيع ويشتري الأخضر واليابس وينسى قيمه وأخلاقه، وهمه الوحيد هو الفوز وحصد الشهرة والراتب الشهري العالي، وللأسف: فإنّ موقف هذه القيادات ضعيفٌ في صدّ مظاهر الفساد، وفي بعض الأحيان توفِّر هذه الشخصيات غطاءً لهذه البؤر الهدامة وتتاجر بقبيلتها وبضميرها دون تردّد.

السبب الرابع هو اختلاط الأوراق واستيراد قيم ومعايير اجتماعية من المجتمع الإسرائيلي والغربي لا تتناسب مع قيمنا وديننا.

السبب الخامس هو القدوة السيئة التي يقتدي بها عامةُ مجتمعنا، والمقصود هنا بعض الشخصيات الاجتماعية القيادية والأكاديميون الذين يُأججون نار العصبية القبلية، فيسمحون لأبنائهم قيادة سياراتهم بدون رخصة سياقة، ويرمون النفايات على قارعة الطريق، ويكونون أول من يشارك في الخصومات الاجتماعية، ويرفضون إفشاء السلام لاعتبارات شخصية. وفي السنوات الأخيرة سمعنا كثيراً عن شخص أكاديمي باع ضميره وضمير عائلته من أجل تعيينه مديراً لمدرسة أو عن طبيب باع قيمته وقيمه من أجل الحصول على قطعة أرض بمحاذاة شارعٍ رئيس ليبني عليها محلاتٍ تجارية، والأمثلة كثيرة وللأسف الشديد.

 

ما السبيل إلى التغيير؟

  أما مهمة التغيير فهي صعبة المنال ولكنها غير مستحيلة. هذا التغيير بحاجةٍ إلى الآلية والمقومات التالية:

أولاً: علينا أن نعترف بعلّتنا، وألا نتستّر وراء غطاءات وقناعات مختلفة، مثل اتهام الغرب بمصائبنا واتهام القنوات الفضائية بتقهقر أخلاقنا.

ثانياً: على أصحاب المسؤولية من بيننا أخذ زمام الأمور والمسؤولية بأيديهم، وعدم إلقاء اللوم على شحّ الميزانيات أو على سياسة الحكومة. فالحكومة ليست مسؤولةً عن ابنك إذا رجع ثملاً الساعة الرابعة صباحاً أو إذا تهور وقاد سيارته بدون رخصةٍ ودهس طفلاً بريئاً.

ثالثاً: على الجهات المهنية (الرسمية وغير الرسمية) تطوير رؤية وخطط عمل لإعادة تنظيم وبناء الوحدة الاجتماعية الأساسية ألا وهي الأسرة (العائلة).

رابعاًَ: على جميع المؤسسات والقطاعات التكاتف وبناء شراكاتٍ حقيقية ومستدامة من أجل تطوير برامج وخطط عمل تكفل توفير حلولٍ كافية وناجعة لمشاكلنا الاجتماعية المختلفة.

خامساً: علينا بناء دستور اجتماعي جديد يتلاءم مع التطورات الاجتماعية والواقع المُعاش، هذا الدستور يضمن لكل فرد أو جماعة حقوقها وينظم العلاقات والمعاملات والتواصل الاجتماعي بيننا.

سادساً: على الطبقة المثقفة أن تكون قدوةً حسنةً، وأن تتحلى بالأخلاق والقيم الاجتماعية الحميدة، وألا تتكرر حالاتٌ تصوِّت فيها قبيلةٌ بأكملها من أجل تعيين ابنها 'الأكاديمي' لوظيفة مدير مدرسة. فبأي وجهٍ يُقابل ذاك المدير طلابَه ويتحدثُ إليهم عن قيمٍ وأخلاق وضمير؟ فهل يظن ذاك 'المدير' أن طلابه أو ذويهم أغبياء؟.

سابعاً: علينا كمجتمع أن ندرك أن دوائر التأثير الاجتماعي السلبي تتوسع تلقائياً، والفساد ينتشر، فاليوم هذا الفساد في بيت جارك وغداً في بيتك، ولذلك من مصلحة الجميع محاربة بؤر الفساد ومحاربة مشغليها وداعميها.

ثامناً: يمكن فقط بالعمل الجماعي المشترك، الذي تدعم فيه الوحدةُ الاجتماعيةُ القويةُ الوحدةَ الضعيفةَ، الخروج من مأزقنا.

تاسعاً: علينا الإشارة إلى الفساد وإظهاره وعدم استعمال غسيل كلمات يقلل من قيمة الفساد، فمثلاً إذا كان الجميع يتذمر من بعض محلات اللهو المنتشرة في بلداننا تحت أسماء مختلفة، فعلينا القول وبصوتٍ عالٍ إن جزءاً من هذه المحلات باتت بؤر فساد، ولا أحد يعرف ماذا يحدث بداخلها، وعلينا أن نقول للفاسدين والمفسدين إنهم كذلك ونبذهم ومقاطعتهم وعدم مجاملتهم.

  وأخيراً، أؤمن بطاقاتنا ومقوِّماتنا للتغيير، وأقترح على البلديات والمجالس المحلية أخذ زمام المسؤولية إلى أيديها، وأن تشكِّل لجاناً جماهيرية-مهنية- شعبية تعتني في المرحلة الأولى بدراسة الوضع الاجتماعي المزري الذي نعيشه، وفي المرحلة الثانية تضع خطط عمل استراتيجية واضحة مع آليات تنفيذ. وعلى هذه البلديات أو المجالس المحلية توفير جميع الوسائل لتغيير الواقع العصيب الذي نعيشه. كلي أمل أن ينضم جميع أصحاب الكفاءات المهنية والقدرات القيادية إلى مثل هذه اللجان من أجل بناء مجتمعٍ أفضل. وعلينا دائماًَ أن نتذكر أن كلّ من يساهم في تغيير منكر يجازى بذلك جزاءً حسناً بإذن الله، وانطلاقا من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: 'مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ'- رواه مسلم. وعلينا أيضاً تحمّل المسؤولية تجاه عائلاتنا ومجتمعنا، كلٍّ من منصبه. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»- رواه مسلم.