صفحة البداية  | من نحن  | إتصل بنا  | أرشيف الموقع 

اليوم الجمعة   الموافق  10-9-2010م

بهجة القلوب بذكرى مولد النبي المحبوب
بقلم: يوسف علي أبو قرن – طالب في مرحلة الدكتوراة في الفقه وأصوله / الجامعة الأردنية – عمان
تاريخ النشر : الثلاثاء 23/2/2010م     عدد مرات القراءة= 923 ارسل لصديق أطبع الموضوع

تكبير الخط تصغير الخط

  هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ينتهي نسبه إلى عدنان، وعدنان من ولد إسماعيل الذبيح بن إبراهيم عليهما السلام، وأبوه: عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل قريش وأحبّ شبابها إليها، عاش طاهرًا كريمًا حتى تزوج بآمنة بنت وهب، وأمّه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وزهرة هو أخو قصيّ بن كلاب جدّ الرسول صلى الله عليه وسلم، وجدّه: عبد المطلب بن هاشم، هو سيد قبيلة قريش، أعطته رياستها لخصاله الوافرة، وقوة إرادته، وعزيمته على فعل الخير لكل الناس. فليس من الصدفة أن يكون هذا الاصطفاء وهذا الاختيار. روى مسلم في صحيحه عن واثلة بن الأسقع يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: 'إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم'، ورُويَ عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلتُ يا رسولَ الله متى بدأ أمرك؟ فقال: 'دعوة إبراهيم ونبوءة موسى وبشارة عيسى ورؤيا أمي آمنة'.
  ولد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، من عام الفيل، في أصحّ الروايات المنقولة عند المحققين، نعم إنه شهر ربيع الأنوار ولد النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وفيه بُعث وهاجر، وفيه انتقل إلى جوار ربه، وكان الصحابة يسألونه عليه الصلاة والسلام عن صيام الاثنين -كما جاء عند مسلم- فيقول صلى الله عليه وسلم: 'ذلك يومٌ ولدت فيه، وأُنزل علي فيه القرآن'. روى ابن سعد في طبقاته: أنه صلى الله عليه وسلم قال: 'رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور الشام'.

أقبل السعدُ علينا      والهنا من كل جانب

فلنا البشرى بسعدٍ     جاءنا من خير وهب

مرحباً أهلاً بشمس    قد محت كلَّ الغياهب

مرحباً أهلاً بشمس      خفِيَتْ فيها الكواكب

  إنها الذكرى التي يتغنى بها كل مسلم على وجه هذه البسيطة، كيف ولا وهي التي تحرِّك وجداننا الخامل، وعقولنا الراكدة، نشمّ منها نسماتِ الأمل نحو المستقبل الذي نتطلع له، وأخرجتنا من تلك الظلمات المطبقة بالجهل، ورفعت عنا طبقاتِ الران المنصبِّ على القلوب، ونفضت غبار الجاهلية العمياء، لنكون خير وأفضل أمة أُخرجت على الأرض بعد ميلاد وبزوغ نور الهادي صلى الله عليه وسلم. يصوِّر لنا الشيخ العلامة الندوي في كتابه الذي بلغ الآفاق 'ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين' ذلك الواقع بكلامٍ جميلٍ فيقول: 'رأى -أي رسول الله صلى الله عليه وسلم- مجتَمعاً هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير محله، قد أصبح فيه الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظياً، والصالح محروماً شقياً، لا أَنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر، ورأى عاداتٍ فاسدة تستعجل فناء البشرية وتسوقها إلى هوة الهلاك، رأى معاقرة الخمر إلى حدّ الإدمان والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار، وتعاطي الربا إلى حدّ الاغتصاب واستلاب الأموال، ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة، ورأى القسوة والظلم إلى حدّ الوأد وقتل الأولاد. رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دولاً وعباد الله خولاً. ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله. رأى المواهب البشرية ضائعةً أو زائغةً لم ينتفع بها ولم تُوجَّه التوجيه الصحيح، فعادت وبالاً على أصحابها وعلى الإنسانية، فقد تحولت الشجاعةُ فتكاً وهمجية والجود تبذراً وإسرافاً، والأنَفَة حمية جاهلية والذكاء شطارة وخديعة، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات، والإبداع في إرضاء الشهوات. رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخاماتٍ لم تحظ بصانعٍ حاذق ينتفع بها في هيكل الحضارة، وكألواح الخشب لم تسعد بنجّارٍ يركِّب منها سفينةً تشق بحر الحياة. رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راعٍ، والسياسة كجملٍ هائجٍ حبله على غاربه، والسلطان كسيفٍ في يد سكران يجرح به نفسه ويجرح به أولاده وإخوانه'، من أجل ذلك كله أخي القارئ جاء نور النبوة ونبراس الهدى ليضيء لنا الطريق، ويصحح لنا الدرب والمسار، ويهدينا إلى سواء السبيل.

  لقد كان مولد الهادي مولداً للنور الذي عمّ وسيظل عامًّا للبشرية حتى قيام الساعة، مولد الإسلام الذي به هناء البشرية جمعاء، لذلك كان لذلك اليوم؛ يوم ميلاده، مزية خاصة عند المسلمين.

  وقد ادعى البعض أن الاحتفال بالمولد الشريف هو من البدع المنكرة التي لم ينزل الله بها من سلطان محتجين أن ذلك من باب المغالاة في حب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله'، ونردّ على هذه الشبهة فنقول: ماذا قالت النصارى؟ قالت: عيسى ابن الله، وقالت: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالت: إن الله ثالث ثلاثة، وحاشا وكلا أن ندعي ونقول ذلك، سبحانك ربي هذا بهتان عظيم، إنما نقول إنه بشر؛ رحمة الله للعالمين، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وخصه بخصائص وميزات وفضائلٍ ميزته عن سائر خلقه، ورحم الله البوصيري لما قال:

دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارَى في نَبيِّهِمِ

وَاحكُمْ بما شِئْتَ مَدْحاً فيهِ واحْتَكِمِ

وانْسُبْ إلى ذاتِهِ ما شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ

وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَمِ

فإنّ فضلَ رسولِ اللهِ ليسَ لهُ

حَدٌّ فيُعْرِبَ عنه ناطِقٌ بفَمِ

  وقد درج أهل الإسلام وأهل العلم على الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم طَوالَ العام، وبالأخص في أيام ربيع الأنور ولياليه، ولهم في ذلك صور مختلفة من تلاوة للقرآن، وقراءة لقصة المولد الشريف، والإنشاد والسماع، ومذاكرات أهل العلم، والإطعام، والشراب، بغية التبرك به صلى الله عليه وسلم وبذكره، وها أنا أسوق جملةً من نصوص أهل العلم على مشروعية الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم:

قال ابن عابدين وهو من علماء السادة الحنفية: 'إعلم أن من البدع المحمودة عمل المولد الشريف، من الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم'، وقال أيضاً: 'فالاجتماع لسماع قصة صاحب المعجزات عليه أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحيات من أعظم القربات، لما يشتمل عليه من ذكر المعجزات وكثرة الصلوات'.

وقال محمد عليش من علماء السادة المالكية: 'ويُكره صوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلحاقاً له بالعيد في الجملة'.

ويقول النووي من علماء السادة الشافعية: 'ومن أحسن ما ابتُدع ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإنّ ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مُشعر بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله وشكراً لله تعالى على ما منّ به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين'.

  ويقول ابن رجب الحنبلي من السادة الحنابلة معلقاً على صيام يوم الاثنين: 'فيه إشارةٌ إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وسلم لهم وبعثته وإرساله إليهم كما قال تعالى: صلى الله عليه وسلملقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم)'.

  ويقول ابن تيمية في كتابه الشهير 'اقتضاء الصراط المستقيم': 'فتعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم'.

وبعد، فهذه بعض نصوص سلفنا الصالح من المذاهب الأربعة عند أهل السنة والجماعة وغيرهم الكثير، وهم السواد الأعظم من المسلمين، فليجتهد كل مسلم لإظهار الفرح بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم. ورضي الله عن سيدنا العباس لما مدح النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

وأنت لمّا وُلدتَ أشرقت الـ

أرضُ وضاءتْ بنوركَ الأفقُ

فنحنُ في ذلك الضياءِ وفي الـ

ـنور وسبل الرشاد نخترقُ