صفحة البداية  | من نحن  | إتصل بنا  | أرشيف الموقع 

اليوم الجمعة   الموافق  10-9-2010م

هندومة وشاح .. سيدة الأسماء والمُستند والسند
بقلم / نشأت الوحيدي*
تاريخ النشر : السبت 6/3/2010م     عدد مرات القراءة= 879 ارسل لصديق أطبع الموضوع

تكبير الخط تصغير الخط

  بحثتُ في ظلّ احتفالات العالم بيوم المرأة العالمي في الثامن من آذار من كل عام عن إحدى أساسات الذاكرة والصمود والنضال من نساء فلسطين الماجدات، وكنتُ قد  قرأت عن أم السعد وغيرها في روايات وكتب أو كتابات تحدثت عن نساء عربيات فلسطينيات ماجدات وخالدات. ولكن ما أسعدني قبل أيام ولساعة من الزمن تمثلت في لقاء لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية بغزة مع أهالي الأسرى حيث تربّعت الحاجة والأم 'هندومة راشد ابراهيم وشاح' -أم جبر- بتاريخها الوطني المشرق وبحديثها الطيب على كل الكلمات والمداخلات والمسميّات فعقدت العزم أن أكتب عن أم جبر في مناسبة يوم المرأة العالمي.

  رأيتُ الهزيمة في عيون التجاعيد التي تحاول جاهدةً أن تغطي ملامح السنين النضالية المشرفة لهذه الأم، حيث لم تستطع تلك التجاعيد اختراق الذاكرة الفلسطينية لدى الحاجة هندومة 'أم جبر وشاح'.. بل ربما زادتها قوة وإيماناً للمضيّ في مسيرة الضمير الحي، لتكون أم جبر ضمير الأسرى وأمهم بالرغم من نيل معظم الأسرى الذين تبنّتهم لحريتهم وخاصة الأسرى العرب وعلى رأسهم المحرر العربي سمير قنطار إلى جانب ابنها المحرر جبر وشاح. 

  ما أسعد اللحظة التي أكتب فيها عن عنوانٍ فلسطيني في يوم المرأة العالمي، وما أعظمها تلك الأقلام والشفاه التي لا تقدس الشخوص وتنزف لترسم كلمة عرفان حقيقية  للأمهات إيماناً دائماً بأن 'الجَّنةَ تجري تحت أقدام الأمهات'.

  هندومة وشاح 'أم جبر'... سيدة الأسماء.. والمستند، والسند.. ولقد نالت هذه الأسماء والألقاب رغماً عنها حيث أنها تبغض المسميات كونها تعتزّ بواجبها الوطني حيث تقول إن المسيرة النضالية لشعبنا الفلسطيني تحتاج لكل جهد وحبة عرق ودمعة قلم وقطرة دم وماء من أجل إحياء الشجرة الفلسطينية لتكبر وتخترق بجذورها وفروعها وأغصانها وأوراقها جدار وجدران السجن وقبضة السجان الغاصب.

  سمعتُ من أم جبر أجمل الكلمات وخاصة عندما كانت تنادي وتخاطب أعضاء لجنة الأسرى بمختلف توجهاتهم ومشاربهم الوطنية والسياسية والإسلامية 'يا أولادي' ويا أحبائي.. رأيتُ فيها الأمّ التي تجمع الأبناء ولا تفرِّق... رأيت في كلماتها ونداءاتها ألوان العلم الأربعة تتوحد... فلله درك يا أم الكل..

  وُلدت الحاجة أم جبر وشاح في العام 1939م وذلك حسب من أعطوها ذلك التاريخ من الباحثين والناشطين والمفكرين ومن يمتلكون الذاكرة الفلسطينية من كبار السن، وكانت قد هاجرت من قرية 'بيت عفا' الواقعة بين المجدل والفالوجا والتي أقام الاحتلال على أنقاضها مستوطنة 'نقبة'، وحسب الروايات وإفادة الابن والأسير المحرر جبر وشاح والذي يعمل كنائب لرئيس المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فإن كلمة نقبة مستوحاة ومحرفة من 'نكبة'. وفي سياق أحد لقاءاتي مع الحاجة أم جبر فقد أفادت بأنها عندما هاجرت فقد كانت تحمل بين ذراعيها ابناً بكراً عمره عامين وكان قد توفي وهي في طريق الهجرة واللجوء والشتات. 

  تشكِّل أم جبر نقطة تحول من الهجرة إلى العودة، حيث ما زالت تحتفظ بالذاكرة الفلسطينية كما هي بعيداً عن مسارح التمثيل أو مساحيق التجميل.. إنها تمتلك الذاكرة، والكلمة، والصوت، وحجة الإقناع الطبيعية، ولغة اللاجئين الحرة واللهجة التي حافظت على لون وجلد الأرض الطيبة السمراء.

  إن أم جبر وأخواتها من النساء الفلسطينيات العربيات الماجدات والقابضات على الجمر، لهنّ العنوان الرئيس والأساس في تعزيز الصمود والإرادة ولغة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي وسجونه البغيضة. فأم جبر تشكّل رمزاً تاريخياً وحضارياً وهوية نضالية فاقت كل الكلمات التي تغنى بها خطباء وشعراء العصر حيث تمتلك الجرأة والقدرة على صياغة المصطلحات والجمل وإلقاءها على مسامع محاوريها من المواطنين أو الصحفيين أو المسئولين على حد سواء.

  ستحقّ أم جبر هي وأمثالها من النساء الخالدات أن تكون نصف البرتقالة الفلسطينية وبجدارة، فهي سيدة الأسماء في ظل المسميات الباهتة والمزيفة، وهي الأم والجدة والمناضلة وهي المستند الحي والسند.. وبئساً للمقولة الصهيونية 'أن الكبار يموتون والصغار ينسون'.. إن الاحتلال يمتلك الإف 16 ولكننا نمتلك دلال المغربي وآيات الأخرس أو آيات 16.  

 

--------------------------------

* منسق عام الحركة الشعبية لنصرة الأسرى والحقوق الفلسطينية، عضو لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية – قطاع غزة، عضو الهيئة الإدارية لإتحاد المبدعين العرب – فرع فلسطين، رئيس تحرير موقع الحركة الشعبية لنصرة الأسرى والحقوق الفلسطينية