صفحة البداية  | من نحن  | إتصل بنا  | أرشيف الموقع 

اليوم الجمعة   الموافق  30-7-2010م

الحاجة “أم أحمد” العقبي – زوجة الشيخ سلمان الهزيّل تروي عن مجزرة تل النجيلة: أذكرُ أن أحدَهم قال إنه شاهد أكثر من ثلاثين جثّة!!
تقرير: جهاد العقبي
تاريخ النشر : الثلاثاء 9/3/2010م     عدد مرات القراءة= 1807 ارسل لصديق أطبع الموضوع

تكبير الخط تصغير الخط

* مختار كيبوتس شوفال ينقذ مجموعةً كبيرة من الأهالي من موتٍ محقّق!

* النساء يطلين وجوههن بالفحم والرماد حتى يمنعن الجنود من مسّهن بأذى!

* المقاومان إبراهيم العقبي وإبراهيم الصانع.. زميلان في الدراسة في إسطنبول وفي المقاومة على أرض الجنوب      

*****
  في عامها الخامس والثمانين تعود بنا إلى أحداثٍ وقعت قبل عشرات السنين، فتصوّرها لنا وكأنها ترى الأحداث تقع أمامها الآن.. إنها الحاجةُ وضحة الحاج محمد العقبي، زوجة الشيخ سلمان الهزيل، من مواليدِ سنة 1925 في أرض العراقيب.

  تزوّج أبوها الحاج محمد العقبي تسعَ نساءٍ من عائلات ابن كليب وبني جبلة التابعة لبني عقبة، فلما ماتت زوجته من بني جبلة أخذَ من بعدها أختها. كما تزوجَ أبي رحمه الله امرأة من القلازين من بطون العلامات وأنجبت له ابناً واحداً هو سالم العقبي، وأنجبت نساؤه خمسة ذكورٍ وأربع بنات.

  تقولُ الحاجة واصفةً الأيامَ الخوالي بألمٍ عميق: 'لم يكن أجمل من حياة الناس ونخوتهم وكرمهم وبطولاتهم في تلك الحقبة من الزمن. كان الناسُ متحابين طيبين رحماءَ فيما بينهم.. فقد تحدثوا أن في بداية سنواتِ العشرينات تساقطت ثلوج كثيفة في منطقةِ العزازمة جنوبي النقب، وتواصل سقوطها لعدّة أيام، ففرّت العائلات نحو مضاربنا من قسوة الثلوجِ التي أدت لسقوط بيوتِ الشعر. وكان لأبي حينها العديدُ من البوايك، فاستقبلَ فيها أسراً كثيرة، وأمر نساءه بإعداد الطعام لهم. فكانت النساءُ يعملن بتجهيز الطعامِ والشراب بشكلٍ متواصل ودون كلل أو ملل، لكثرة الأسر التي نزلت حيّنا. هكذا كان حال الناس جميعاً فيما بينهم عند المحن والشدائد'.

  في سنةِ 1919 قصد أبي بيت الله الحرام حاجاً ومعه زوجته أم إبراهيم وأخي الحاج أحمد الذي كان حينها طفلاً صغيراً. فركبَ من غزةَ إلى مصرَ في القطار، ثمُّ أبحر منها بالباخرة إلى بلادِ الحجاز.

 

التعليمُ في تلك الحقبة!

أحضرَ أبي معلماً متخصصاً من مدينةِ الخليل، فكان يقوم على تعليمِ أخواتي البنين وأيضاً البنات اللواتي رغبن في التعليم. فتعلّمت أختي الحاجة حاكمه رحمة الله عليهم جميعاً. وكان ذلك في سنة 1922. فتعلموا عنده العربية وقواعدها والحساب والدين. استكمل إخوتي الذكور تعليمهم في العهد العثماني. أما أخي إبراهيم فاستكمل دراسته في الأزهر الشريف في مصر، ثم سافر إلى جامعة إسطنبول ومعه آنذاك صديقه إبراهيم الصانع. وأما إخوتي الأصغر سناً فتعلموا في المدرسة الداخلية في بير السبع التي بناها الانتداب البريطاني. وقد اهتمَّ أبي رحمه الله بتعليم أبنائه لاعتقاده وإيمانهِ بأهمية العلم والمعرفة.

 

الزراعة

  أهم الزراعة في أرض العراقيب كانت القمح والشعير والذرة والعدس. أما في السداد (سدود ترابية) فكان رجل يعمل عندنا اسمه أبو دلقة من الصوالحة يزرع جميع أنواع الخضراوات المعروفة في ذلك العصر، وقد كان مزارعاً محترفاً في زراعةِ الخضروات الصيفية خاصة، كالبطيخ والشمام والبامية والفول وغيرها.

 

زواج تحت القصف

  تقولُ الحاجة أم أحمد: في العام 1948 نشبت الحرب وكانت قاسيةٌ لم يعرف الناس قبلها مثلها، فتشتتَ الخلقُ وعمَّت الفوضى في كل البلاد. فانقسمت عشيرة العقبي ثلاثة أقسام، حيثُ نزح أخي سالم ومعه العديد من العائلات إلى منطقة الفخارة، وبقي أخي سليمان في العراقيب، ومعه قسم من العائلات، أما أخي إبراهيم فكان قد جمع شباباً، واشترى لهم السلاح من مصر، وبدأ بتنظيم مقاومة مسلحة في  أرضه زحيليقة الواقعةِ بالقرب من قرية الكوفخة غربي النقب.

  وفي نفس السنة 1948، تقدّم الشيخ سلمان لأخي سالم طالباً الزواج مني، فوافق أخي. وكانت حينها أوضاعٌ صعبة للغاية. وأذكر أنني ركبت في هودجِ جمل خاص بطقوس الزواج، ولم تكن بهجة فرح لأن الظروف السائدة كانت كئيبة وحزينة وقاسية، حيث ألقت الحربُ بظلالِها على الجميع. كان الشيخ سلمان الهزيل متزوجاً بالعديد من النساء، وكان ذا صيتٍ وشهرة في النقب قاطبة. في تلك الفترة نزلت عشيرة الهزيل في منطقة عوجان بسبب ظروف الحرب، ومعهم الكثير من العائلات التابعة لها. وأذكر أننا بقينا حوالي أسبوعين في تلك المنطقة. ثم بدأ الشيخُ برفقة أبنائه 'جدّوع وطلب وسلطان' يمتطون خيلهم بعد العشاء ويذهبون إلى 'شوفال'، وكان بيتُ الشيخِ في منطقة 'خربة زبالة' قد تحوّل إلى معقل لقيادة الجيش، وعيادة للجرحى والمصابين من الجيش، ومخازن للذخيرة. استمر الشيخُ يفاوض القيادة مدة شهرٍ تقريباً، وفي النهاية وافق الجيش على عودةِ الشيخ وعشيرته وكل القبائل التي التفت حوله إلى منطقة 'خربة زبالة'، 'وهم غالبية سكان رهط في الوقت الحالي'. وأذكر من بين هؤلاءِ كانت عائلة الجاروشي (الجواريش) التي تسكنُ منطقة الرملة اليوم. 'والفضل في ذلك يعود للشيخ الذي لولاه لهُجّرت العديد من العائلات'. وفي تلك الأيامِ واصل الجيشُ إرهابَ الناس بإطلاق النار والقتل والتخريب وغير ذلك من الوسائل التي كانت تهدف إلى تهجيرهم عن أرضهم. وأذكر حينها أنهم توجّهوا لأخي سليمان ولعائلات الصانع والأفينش وأمروهم أن يرحلوا عن أرضهم إلى منطقة حورة، ووعدوهم أن يعطوهم مالاً مقابل ذلك، ويمدوهم بالماء ويمّلكوهم أرضاً في حورة، لكنهم رفضوا، فألحّوا عليهم وزادوا في مضايقتهم. ثم بدأ الشيخ حينها يتنقل بين شيوخِ القبائل، ويطلب منهم ألا يتركوا أرضهم ويقول لهم 'نموت في أرضنا أشرف لنا من تركها'. ثم ذهب إلى أخي سليمان العقبي في العراقيب وقال له في ساعةِ عصر 'أنظر ما أجمل أرضك فاصبر على الأذى ولا تغادر'. فرّد عليه أخي قائلاً: إن الضابط 'أبراهم شيمش' لم يكتفِ بالترهيب الذي يمارسه على القبائل في محيط العراقيب، بل يريد أن يبتزّهم ليدفعوا له أموالاً طائلة مقابل أن يتركهم وشأنهم'. فقال الشيخ سلمان: 'أنا أعطيك المال الذي تريد، وكل من يريد من عشيرتك، وردوه بعد أن تهدأ الأوضاع، ولكن لا تغادروا'.

 

الترهيب

  في ربيعِ سنة 1948 طوَّق الجيشُ جميع القبائلِ، وكان ذلك بعد عودتنا بثلاثة أشهر. وهاجم بيوتَ الناس في ساعات الفجر، واشتركت في الهجوم 'جيبات' عسكرية ودبابات مجنزرة. وأذكر أن الجنودَ كانوا يلبسون مناديل 'الشماغ'، فأخذوا الشيخَ وأولادَه ووضعوهم في إحدى المخازن التابعة له. وبعد ضلوعِ الشمسِ رأيت بعيني مشاهد فظيعة. لقد جمعوا أعداداً هائلةً من الرجال من كل القبائل، ولكن السواد الأعظم كان من عشيرة العلامات، وأذكرُ أنه كان من بينهم أخي سالم العقبي رحمه الله، ووضعوهم جميعاً بجوار المقبرةِ القريبة منا. وكانوا قبل ذلك قد حفروا حفرةً كبيرةً بجوارنا. ووقفَ الناس في صفوفٍ طويلةٍ في مشهد يعجز الإنسانُ عن وصفه، لما يحمل من ظلم وفظاعة. ثم صوَّبوا نحوهم 'البرنات' (أسلحة رشاشة)، وفي هذا الوقتِ أحرقوا بيوتاً لعائلة أبو هاني. وسارعت يومها النساء لطلي وجوههنَّ بالفحمِ والرماد خوفاً من أن يتعرض لهُنَّ العسكر. وكان الرجالُ قد سُحبوا من بيوتهم فجراً. وتردف قائلةً: 'ما حصل للناس لم يحصل لأحد'. وفي الساعة الحادية عشر ظهراً، بعث الشيخ سلمان رجلاً يُدعى 'محمد العبيد' على وجه السرعة إلى زئيف (زئيف طاوبِر) الذي كان مختار كبانية شوفال. ولما حضر زئيف ورأى المشهد، عاد راكضاً إلى الكبانية واتصل بقيادة الجيش. وبعدها بساعتين أطلق سراح المحتجزين من طوابيرِ الناس. فشعر الناسُ بأنهم بُعثوا من جديد، لأنهم أيقنوا بالموت قبيلها بقليل. وبعد هذه الحادثة فرّ الكثيرُ من الناس إلى خارج الحدود. وتقول الحاجة: 'وغير صحيح ما يُقال أن الشيخ حرّض على طردِ هذه العائلات، بل على العكس هو كان سبباً في بقاء الكثير منهم'.

  أما أخي إبراهيم العقبي ومعه صديقه إبراهيم الصانع، واللذان تعلما معاً في إسطنبول، فقد عزما على المقاومة وعدم الرضوخ. في البداية قاوما العصاباتِ الصهيونية معاً، وفي سنة 1948 كوَّن أخي إبراهيم وحدة من شباب العائلة وجيرانهم في زحيليقة، للمقاومةِ المسلحة، فذهب الشيخُ سلمان إلى إبراهيم، وحاول إقناعه بالتخلي عن المقاومة، وذلك لأنَّه يريده أن يبقى في أرضه ولا ينزح عنها بسبب ما يقوم به. ولكنَّ أخي لم يوافق على ترك المقاومة، ورفض الاستسلام، فعاود الشيخ سلمان وقال له 'إنه لا قدرة لنا أن نحارب دولة، فلنحاول بالسياسة والعقلانية'، فرفض إبراهيم وأصرَّ على مواصلة طريقه، واستمرّ يقاوم حتى الثالثِ والعشرين من رمضانَ عند ساعةِ السحور، حيثُ هجمت عليهم قواتٌ كبيرةٌ من الدبابات، فأصابوا مدفعاً كان عليه موسى العقبي وعطّلوه، وقُتل في المواجهة رجلٌ يدعى أبو الحصيني، وبنت أخته فايزة، وأصيب حسين العقبي بجروحٍ خطيرة، وأذكر أنه من بين الذين كانوا معه ابنه سعيد وكان حينها فتىً صغيراً، وكذلك كان موسى. في تلك الفترة أيضاً نزح الشيخ حرب أبو رقيق من أرضهِ لكثرة المضايقات، ونزح إبراهيم الصانع إلى منطقة 'الرهوة'، ولكنه عاد بعد ذلك، وقد ساهم الشيخ سلمان في عودته.

  تميزت تلك الفترة بظاهرة التشتت والضياع، فقسم من العائلات نزح إلى غزة، ومنهم أخي إبراهيم ومن بقي معه، وقسم نزح إلى الأردن ومنهم أخي الحاج أحمد.
هنا اصطفت طوابير الأسرى
بقايا المخزن

الحفرة 

مجزرة تل النجيلة

  تقول شاهدتنا: 'كان النازحون يتسللون ليلاً بكثرة، وخاصةً من القرى القريبةِ إلينا، فحصل أن قبضَ الجيشُ على كثيرٍ منهم، فكانوا يدَّعون أنهم من عشيرة الهزيل، فيأتي الجيش بهم إلى الشيخ ويسأله عنهم، فيقول الشيخ: نعم إنهم من أبناء عشيرتي، لكي يخلّصهم من قبضةِ العسكر. ثم يقوم بأخذهم ليلاً ويسير معهم حتى الحدود لكي لا يصيبهم مكروهٌ في الطريق. في الوقتِ نفسه قبض الجيشُ على الكثير من المتسللين، واقتادهم إلى تل النجيلة، وبعد أن أخذ منهم كلَ شيءٍ، أطلق النار عليهم، وأذكر أن أحدَهم قالَ إنه شاهد في تل النجيلة أكثر من ثلاثين جثةٍ بينهم نساء ورجال'.

  تروي لنا الحاجة أم أحمد هذه الذكريات الأليمة والشهادة التاريخية، وهي تؤكد لنا: 'إنّ على الإنسانِ الذي يسرد تاريخ المنطقة أن يكون صادقاً ودقيقاً فيما يقول ويشهد به أمام الله'.
الشيخ سلمان وبعض أبنائه الصغار