|
|
|
![]() |
| أخـبار وتقـاريـر | قصاصات صحفية | تربـيـة وثقـافـة | إسـلاميـات | شباب ورياضة | صحـة وعافـية |
| نصـف المجـتمع | مقـالات وآراء | في الذاكــرة | طرائف ومنوعات | صوت / صورة | مال وأعـمال |
* جندي من البلماح: طردنا أهالي القرى الفلسطينية بسبب أوامر عليا ونتيجة غسل الدماغ الذي تعرّضنا له من قادة الصهيونية!
• لم أستفق من 'الشلل الأخلاقي' إلا بعد أن انتهت الحرب!
• سكان القرى الجنوبية كانوا شديدي الفقر، وبيوتهم خاوية..
• إدعت الصهيونية أنّ الأرض فارغة من السكان، بينما كانت مليئة بالسكان العرب!
• قلت للضابط: يجب قتل الجندي الذي اغتصب الفتاة.. فطلب مني السكوت، وقال لي إننا كلنا سنموت بعد أسبوعين!.
كان يوم الخميس الماضي المرة الأولى التي يدلي بها جنديّ 'البلماح' بشهادته على الملأ، بعد 62 سنة من اشتراكه في نكبة سنة 1948، وفي نكبة القرى الجنوبية على وجه التحديد، أمثال قرى عراق المنشية وعراق سويدان والفالوجة وبيت طيما وبيت جرجا وسمسم وبرير ونجد والمجدل والمحرّقة والكوفخة وغيرها.
وحيث أنها المرة الأولى التي يتحدّث فيها ابن الثمانين عامًا، فلم تكن شهادته تفصيليةٌ إلى حدٍّ كبير، لكنها سلّطت الضوء على جوانب مما حدث سنة 1948 وسنة 1949، وبالذات كيف كانت قوات 'البلماح' الصهيونية تحارب الفلسطينيين وتقتلهم وتهجّرهم.
في مقرّ جمعية 'ذاكرات-زوخروت' في تل أبيب، ألقى أمنون نويمان شهادته، التي عاد وأكد فيها أكثر من مرّة أن 'أحداث الحرب ووقائعها أشدّ هولاً من الحرب'، متطرّقًا بين الفينة والأخرى إلى تلميحاتٍ حول أحداثٍ قاسية مرّت به وبزملائه أثناء تلك الفترة، لكنه تطرّق إلى ذلك باقتضابٍ، كقوله 'أطلقتُ النار على سيارة مليئة بالسكان' وحينها تحشرج صوتُه كالذي يهمّ بالبكاء، فأسرع وأنهى الموضوع!.
جنديّ في البلماح
وُلد أمنون نويمان بجانب مدينة حيفا ونشأ بالقرب من السكان العرب، وعاش معهم حياةً طيبة. في سنة 1946، عندما بلغ من العمر نحو 16،5 سنة انضمَّ إلى قوات 'البلماح' الصهيونيّة التي كانت تعمل في فلسطين جنبًا إلى جنب مع مجموعاتٍ يهودية أخرى، كانت هي النواة فيما بعد لجيش إسرائيل.
إنضمّ نويمان إلى الكتيبة الثامنة في البداية، وفي مرحلة لاحقة انضم للكتيبة التاسعة، وشهد أحداث النكبة من شباط سنة 1948 وحتى تشرين الأول من سنة 1949، وهي الفترة التي يقول عنها إنها الأهمّ وأنها هي التي وقعت خلالها أحداثُ النكبة.
ويؤكد في شهادته، إن المناوشات مع السكان المحليين في القرى الجنوبية (خط المجدل الفالوجة جنوبًا)، كانت بسيطةً واستمرت حتى جاء الجيش المصريّ بعدته وعتاده، لكنّ هذا الجيش كان بدون دافعيةٍ للقتال، وفي كل مرةٍ تعرّض فيها للهجوم لم يصمد. ويؤكد نويمان أنّ السكان المحليين لم يحاربوا بشكلٍ منظّم، وأن المعركة 'الجدّية' الوحيدة التي يذكرها كانت في برير.
يقول: عندما وصل الجيش المصري كنا قضينا تقريبًا على كلِّ القدرات المحلية الموجودة لدى السكان العرب، لأنهم لم يكونوا منظّمين ولم تكن بحوزتهم الإمكانيات والقدرات العسكرية.
ويذكر أنه في الحادي عشر من أيار سنة 1948 وقعت معاركُ شديدة مع الجيش المصري الذي كان مدرّبًا تدريبًا إنجليزيًا نظاميًا، وكانت بحوزته مدافع ودبابات، بينما كانت معدّات البلماح بسيطة، ولم يحدث تحسّن في تسلّح الصهاينة إلا بعد وصول السلاح التشيكي!.

ويشهد أمنون نويمان إنّ هروب السكان كان تدريجيًا باتجاه غزة، وبدأ ذلك عندما وصلت قوات البلماح للمنطقة. طلب القائدُ من جنوده (الذين كان نويمان أحدهم) تنظيف تلك القرى بحجة أن الجيش المصري أخفى مدافع في قريتي كوكبا والكوفخة. بدأ جنود البلماح بإحاطة القرى وإطلاق النار في الهواء، وأحيانًا باتجاه السكان. هرب السكان، وقام الجنود في بعض الأحيان بإحراق أسقف القشّ التي تغطي البيوت الطينية المتواضعة.
ويروي جنديّ البلماح السابق، أنه تم تهجير القرى بشكلٍ منظّم، وأنّ ذلك حدث في اليوم الأخير من الهدنة مع الجيش المصريّ في تموز من سنة 1948 (وكانت هناك هدنة ثانية فيما بعد). ويقول: 'بالطبع، لم نجد هناك مدافع مصرية'!. لكن النتيجة الميدانية كانت واضحة: فقد نشأت مساحة مفتوحة من الأرض، خالية من السكان، يمكن العمل فيها عسكريًا.
ويقول نويمان إنه من الطبيعيّ أن يترك السكان المدنيون قراهم في أوقات الحروب، وكذلك حال سكان تلك القرى الذين كانوا يتوقّعون أن يعودوا إليها خلال فترةٍ قصيرة. بل إن بعضهم كان يتسلل من غزة من أجل صيانة كرومه ومزروعاته أو قطف الثمار أو إحضار بعض اللوازم من البيوت المهجورة، وكان جنود البلماح يكمُنون لهم ويطلقون النار عليهم.
هكذا تم تهجير السكان، عدا قرية 'هوج' (قرب كيبوتس دوروت اليوم) التي لم يمسّها أحد بأوامر عليا، لكن موشيه ديان عاد في وقتٍ لاحق بتهجير سكانها مع عرب المجدل.
فقراء للغاية
يقول نويمان إن سكان القرى المذكورة كانوا شديدي الفقر، بيوتهم من الطين والقش، وأحيانًا من الحجارة، وهي خاوية لا تكاد تجد فيها شيئاً من الطعام أو المتاع. ويؤكد أن تهجير هؤلاء المساكين كان ظلمًا تعرّضوا له في المرة الأولى في حياتهم، حيث أن الجيوش التي كانت تحتل البلاد عبر العصور كانت تهجِّر المقاتلين وتهجّر النخبة المحليّة، أما السكان الفقراء فلم يكن أحد يطردهم، وإلا من سيدفع الضرائب للمحتلّ الجديد؟.
ويقول إنّ حياة هؤلاء السكان لم تشهد أحداثًا جسامًا سوى هذه النكبة التي 'سبّبناها لهم لأننا أردنا أن نرث الأرض من الغرباء'. صحيحٌ أن السكان كانوا يتمنون انتصار العرب، لكنهم لم يشتركوا فعليًا في ذلك ولم تكن لديهم الثقافة ولا السلاح. حتى المعركة الكبيرة في حليقات بين الصهاينة وبين الجيش المصري لم يشترك فيها السكان المحليون.

يروي نويمان، أنه ذات يوم جاء أحد جنود البلماح (وهو يهودي مصريّ) وقال: 'نكحتُها وأطلقت النار عليها'!، وعندما ذهب الجنود وجدوا فتاةً مقتولةً من برير في السابعة عشرة من عمرها، ورصاصة في جبينها. 'قلتُ للضابط: يجب قتل هذا الجنديّ، فطلب مني السكوت، وقال: لماذا نقتله، كلنا سنموت بعد أسبوعين (أي بسبب المعارك)'. ويؤكد نويمان أن الجنديّ المغتصب مات بعدها بصورةٍ شنيعة!!.
مصريون وسودانيون
يذكر نويمان معركةً كبيرة حدثت في منطقة بئير يعقوب (على خط الفالوجة المجدل)، حيث قُتل نصف رجال بئير يعقوب. وصلت قوات البلماح من جهة 'ساعد' ووصلت قوات 'هنيقب' من جهةٍ أخرى، وتم الاصطدام بالضباط المصريين الذين يحملون المسدَّسات وبجنودهم السودانيين العمالقة، ووقع الكثير من القتلى بين المصريين والسودانيين.
يروي نويمان: كانت مهمة مجموعتنا أن نجمع السلاح والوثائق الموجودة مع الجنود المصريين، وقمنا بتقليبهم جميعًا، ولم أشعر بأيّ شيءٍ حينها، فهم أعداءٌ لنا.. لكنني بعد أن انتهت الحرب بسنوات، كانت تراودني تلك المناظر فيتجمّد دمي!.
'الكوماندو الفرنسي' يسرق أسنان الذهب!
بعد خدمته في الكتيبة الثامنة، إنضم نويمان لكتيبة البلماح التاسعة، وكان اليهود يستعدون لاحتلال أم الرشراش (إيلات).
ويروي إنه رأى حينها البدو من الترابين والعزازمة، وكانت حالهم بسيطة للغاية. كان البدو موجودين في كل مكان، يختبئون في أوديةٍ صغيرةٍ، 'لا أعرف كيف أكلوا ومن أين شربوا'؟!.
بعد احتلال الثميلة (جيبيم) كانت هناك سلسلة من مواقع الجيش المصري على بعد نحو 10 كم من بئر السبع، 'هاجمناهم، وحينها التقينا بما يسمى الكوماندو الفرنسي، وهم قادمون جدد من المغرب تم تدريبهم في بئر السبع'، وقمنا بطرد المصريين.
يقول نويمان: 'كانت المرّة الأولى التي أرى فيها رجالا (يقصد يهود الكوماندو الفرنسي) يتجولون بين جثث المصريين من أجل البحث عن أسنانٍ ذهبيّة'!!.
ويؤكد نويمان أن الجنود اليهود أطلقوا النار على العرب الهاربين من بئر السبع، وأنه كان من بين من أطلقوا النار!.
البلاد لم تكن خاوية!
يقول نويمان إنّ الصهيونية وقادتها كانوا يعلِّمون الناشئة أن البلاد خاويةً من السكان، وأنهم يريدون أرضًا بلا شعب لشعبٍ بلا أرض. ويستهجن نويمان من نفسه!! كيف أنه هو الذي نشأ بين العرب وعاش بينهم صدّق هذا الكلام!!. ويؤكد أن البلاد لم تكن خاوية، بل كان هناك عرب 'لكننا لم نرهم' (يقصد أن اليهود تعاملوا مع العرب وكأن العرب غير مرئيين وغير موجودين)!.
يعترف نويمان أنه تربى تربيًة اشتراكية، تتحدث عن العمال والطبقة العاملة. ويضيف إنه عاد ذاتٍ يومٍ إلى بيته فقال له والده: هل تعرف ماذا جرى؟ فردّ عليه ابنه إنه علم بأنه تمّ تهجير قريتين قرب حيفا (من بينهما بلد الشيخ) فقال له والده: ليس هذا ما كنّا نريده ونؤمّله.
ويؤكد نويمان أنّ تهجير السكان العرب لم يكن هو ما يشغل الجنود أو السكان اليهود، بل كان ذلك يدور في رؤوس القادة الكبار. ويؤكد أنه اكتشف لاحقًا أن ما حدث كان خداعًا كبيرًا من قِبل الحركة الصهيونيّة، وأن ما تعلموه في الصغر وما غُسلت أدمغتهم به لم يكن صحيحًا.
لماذا وكيف استفاق؟
يقول نويمان إنه عندما خدم في البلماح كان فتىً نشأ منذ الصغر على مبادىء الصهيونية وأهدافها، وأنه عندما حاربَ وقتلَ وهجَّرَ كان يَعتبرُ ذلك عملاً عاديًا لأن العرب أعداء. بل إنه لم يكن لديه الوقت الكافي لكي يفكّر فيما يفعله!!.
ويضيف: بعد أن تحرّرتُ ذهبتُ إلى كيبوتس معجان ميخائيل (قرب جسر الزرقاء)، وأصبحتُ بحّارًا. حينها بدأتُ بالقراءة حيث أصبح لديّ الوقت، وقرأت الأدبيات الماركسيّة وصرتُ أنظر إلى الأمور نظرةً مغايرةً. حينها فهمتُ ما كان يقصده بن غوريون وغيره، وتغيّرت نظرتي تمامًا. وبالطبع فإنّ الاطلاع والثقافة، وكذلك التقدّم في العمر ساهما في النظرة الجديدة.
ويؤكد: إكتشفتُ أيضًا أن الاشتراكية كانت السقالات (أي السلّم أو الدعائم) التي اعتلتها الصهيونية من أجل تأسيس إسرائيل، ولذلك عندما قامت الدولة لم تعد للصهيونيةِ حاجةٌ بالاشتراكية!، ومن دلائلِ ذلك أنه لم يوجد حتى اليوم أي حزبٍ في إسرائيل يحمل اسم الاشتراكية!.
ويقدّم نويمان تفسيرًا لعدم اكتشافه أثناء تواجده في البلماح أنّ ما يقوم به جريمة، فيقول: إنّ الجنود يكونون دائمًا أبناء 19 سنة، حتى لا يفتحوا أعينهم بعد 3-4 معارك!!.
ويعطي تفسيرًا إضافيًا حول سبب عدم استفاقة زملائه في البلماح من 'الشلل الأخلاقي' حسب تعبيره، أثناء قيامهم بما قاموا به أثناء النكبة، فيقول: ليس لديّ جوابٌ واحد، ولعلّ السبب أنّ كلَّ البلاد كانت تمجِّد وتمدح رجال البلماح، وبالتالي فقد 'أسكرتهم' هذه المدائح!.
ويستطرد: يؤسفني أن يكون هناك أكاديميون كبار بدرجة بروفيسور، يتكلمون وكأنهم أبناء عشرين سنة! يحملون نفس الأفكار دون أن يطرأ عليها أيّ تغيير، وبالذات سكان الكيبوتسات!!.

أحد الحضور في الأمسية التي نظمتها جمعية 'زوخروت' كان الباحث والكاتب والمؤرخ دان ياهب، الذي ألف وكتب عشرات الكتب والمقالات عن النكبة وعن الصراع على هذه البلاد.
يقول دان ياهب، إنّ من بين أفكار الصهيونية كان 'أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض'، وكانت لديها فكرة أخرى زرعتها في عقول الناس (حتى اليوم) وهي أن الصهيونية ستحسِّن من أحوال السكان العرب وتزيد من رفاهيتهم!!، وهو ما حدث مع أحد الإقطاعيين العرب (أفندي) عندما سُئل عن عدم خشيته من اليهود فقال: إن اليهود سيحسِّنون من حياتنا ويطوّرون أوضاعنا!!.
وحول حادثة اغتصاب الفتاة ذات السبعة عشر ربيعًا من برير، قال ياهب: إن ما يعرفه هو أن الجنود قاموا بتحميم (غسل) الفتاة ثم اغتصبوها! وبعدها تم إطلاق النار عليها.
وقال في نهاية الأمسية في حديثٍ مع 'أخبار النقب' إن الجيش الإسرائيلي لا يزال إلى اليوم يمتنع عن فتح الملفات المتعلقة بالاغتصاب الذي قام به الجنود اليهود، وهي ملفات سريّة موجودة في أرشيف الجيش وتحمل التصنيف المشدَّد SS25.
|
|
![]() |