صفحة البداية  | من نحن  | إتصل بنا  | أرشيف الموقع 

اليوم الثلاثاء   الموافق  7-9-2010م

إستحضار الموت والآخرة
تاريخ النشر : الخميس 15/7/2010م     عدد مرات القراءة= 408 ارسل لصديق أطبع الموضوع

تكبير الخط تصغير الخط

   إنّ من طبيعة الدنيا أنها تغري الناس بنعيمها وزخرفها فيأنس إليها الإنسان ويسقط في حبائلها ويسير على الأرض وقد نسي مصيره المحتوم ويغفل عن الموت الذي هو نهاية كل شيء ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران: من الآية 185]. ولهذا كان من وسائل تزكية المؤمن الإكثار من ذكر الموت واستحضار الآخرة ومشاهدها، لأنّ ذلك يعينه على زيادة الهمة في الطاعات ويقلل من تعلقه بالدنيا فينطلق حرًّا يستصغر المحن ويستخف بالابتلاءات.

  فقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكيَس الناس، فقال: 'أكثرهم ذكرًا للموت وأشدّهم استعدادًا له أؤلئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة'.

  أما نحن فقد اعتدنا على تشبيه سجوننا بالمقابر وهي كذلك من حيث الإهمال والنسيان، لكن ذلك لا يدفعنا إلى تذكر الموت كما تمر على أحدنا سنين طويلة دون أن يرى قبرًا أو يشيع جنازة، ورغم أننا في القيد لا نكاد نرى من نعيم الدنيا إلا القليل فإنّ قلوبنا تصاب بالقسوة والجفاء كغيرنا فتضيق نفوسنا لذلك ونشكو كما فعلت تلك المرأة التي اشتكت إلى عائشة رضي الله عنها قساوة قلبها فقالت: 'أكثِري ذكر الموت يرق قلبك' ففعلت فرقّ قلبها فجاءت تشكر عائشة رضي الله عنها.

  ويعرف سعيد بن جبير بالأمر فيخبرك عن نفسه بقوله: 'لو فارق ذكر الموت قلبي خشيت أن يفسد عليّ قلبي'؛ ثم تواصى أخيار الأمة هذا الأمر جيلا بعد جيل؛ فهذا الفقيه سفيان الثوري يعطيك النموذج حتى قال عنه أحد تلامذته: 'ما جلست مع سفيان مجلسًا إلا ذكر الموت، وما رأيتُ أحداً أكثر ذكراً للموت منه'؛ ثم جاء ابن الجوزي فجعل ذكر الموت علاجًا لمن سيطرت عليهم الدنيا فتعلقوا بها على حساب الآخرة فراح يبين لهم حقيقة الأمر بقوله: 'إذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت عليهم آمالهم وفسدت في الخير أعمالهم أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة'.

  والقلب إن لم يخشع عند ذكر الموت متى يخشع؟ والنفس إن تمادت في غفلتها فمتى تقنع؟ وأنت إذا لم تؤثر فيك آيات القران ولم تردعك مشاهد الموت في كل مكان فلن تنفعك المواعظ الرقيقة، ولا الكلمات المنمقة الجميلة، فهذا أحد السلف من شيوخ البخاري يقول: 'من لم يردعه القران والموت فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع'.

  ولا تحسب أن فضل ذكر الموت هو صنعة العبّاد والزهاد والفقهاء فقط ولا تقل ما حاجتي إلى هذا الأمر أو تغرّك نفسك بسبب انهماكك في العمل الإداري أو انشغالك في الأمور التعليمية والتثقيفية أو تعلقك بالمتابعة السياسية وتحليل الأحداث. فهذا عمر بن عبد العزيز وهو أمير المؤمنين كان يجمع كلَّ ليلة الفقهاء فيتذاكروا الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأنّ بين أيديهم جنازة، ثم جاء كعب بن مالك يدلك على فائدة أخرى لتذكّر الموت فيقول: 'من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها' فاحرص على قصر الأمل واجعل الموت أمامك والآخرة في وجدانك لعل ذلك يدفعك إلى مزيد من العمل الصالح وإلى تقليل من التسويف والتأجيل وحاسب نفسك وعاتبها.

 

إلى كم أقول ولا أفعــل

وكم ذا أحوم ولا أنزل

وأزجر عيني فـلا تردعي

وأنصح نفسي فلا تقبل

وكم ذا أؤمل طول البقا

وأغفل والموت لا يغفل؟

 

كأن بي وشيكا إلى مصرعي     يساق بنعشي ولا أمهل

 

  ولا يخدعنك شبابك ولا صحتك فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكان شابًّا صغيرًا يقول: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: 'كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل' فكان ابن عمر رضي الله عنهما بعد ذلك يقول: 'إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك' غير أن هذا لا يعني أن تهمل في واجباتك الدينية أو الدنيوية، ولا ينبغي لك أن تقصر في عمارة الأرض وأداء دورك في الحياة بحجة الإكثار من تذكر الموت والآخرة، إذ ما هذا أردنا ولا إلى ذلك دعوناك، والقاعدة هنا لافتة تضعها قرب سريرك تقرأها قبل نومك 'إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا' فإذا رد الله عليك روحك في الصباح فأعد قراءتها ثم قل: 'الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور'.

بقلم: الأسير حسام بدران/ موقع 'شبكة مساجدنا الدعوية'