|
|
|
![]() |
| أخـبار وتقـاريـر | قصاصات صحفية | تربـيـة وثقـافـة | إسـلاميـات | شباب ورياضة | صحـة وعافـية |
| نصـف المجـتمع | مقـالات وآراء | في الذاكــرة | طرائف ومنوعات | صوت / صورة | مال وأعـمال |
![]() |
وقد اعتبر قادة عرب النقب هذه السابقة بمثابة «إعلان حرب على بدو النقب» بغية حملهم على الرحيل من قراهم الـ 45 التي ترفض الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الاعتراف بها ومنح سكانها (نحو 80 ألفاً) تراخيص بناء وإمدادهم بأبسط مقومات الحياة من خدمات صحية أو تعليمية أو بنى تحتية.
غير أن ذلك لم يفت في عضد أهالي العراقيب الصامدين منذ بدأ الاحتلال عام 1948، حيث أكدوا أنهم لن يرحلوا عن أراضيهم، وأنهم سيعيدون بناء القرية مرة أخرى في الغد، فبعد هدم القرية وتسويتها بالأرض قامت على الفور عائلات القرية بإعادة بنائها ونصب خيامها، حيث نصبت عائلة أبو فريح خيمة لاستقبال الوفود الداعمة والمساندة لحقوق عرب العراقيب في أرضهم، ورحب وجهاء عائلة أبو فريح وفي مقدمتهم الدكتور عواد أبو فريح الناطق بلسان لجنة الدفاع عن أرض العراقيب وأحد أصحاب الأراضي فيها والشيخ الدكتور سامي أبو فريح بجميع الزوار والوفود العربية .
وكذلك استقبلت عائلة أبو مديغم أيضًا الوفود بحفاوة معهودة في خيمة شيخ المناضلين في العراقيب الشيخ صياح أبو مديغم الطوري أبو عزيز (1950)، والذي ألقى في أهل القرية والوفود كلمة جاء فيها 'لا يوجد عدالة في دولة إسرائيل والأرض بالنسبة لنا هي هوية وانتماء'، وأكد الشيخ الطوري علي قدسية الأرض قائلا 'هذه أرض مقدسة وهي أمانة في أعناقنا للمحافظة عليها' وأشار إلى ما يعانيه من ضعط وتهديد قائلا 'من أجل هذه الأرض تم تهديدي شخصيًّا عدة مرات بهدف ترحيلي عن أرض العراقيب، نحن نوكِّل أمورنا إلى الله تعالى، وشواهد مقبرة العراقيب تؤكد على حقنا في الأرض ولن نساوم عن الأرض، وأقسم بالله العظيم أنني لن أساوم على الأرض ما دمت على قيد الحياة'، كما قال أحمد أبو مديغم عضو لجنة الدفاع عن العراقيب 'أرض العراقيب ستبقى وقفًا إسلاميًا'.
وقد صرح الشيخ إبراهيم صرصور رئيس حزب الوحدة العربية / الحركة الإسلامية ورئيس القائمة الموحدة والعربية للتغيير قائلا: 'لقد كان لقضية العراقيب في السنوات الأخيرة رمزيتها الهامة بالنسبة لأراضي العرب في النقب، حيث وقف أهلها وعلى رأسهم المناضل الكبير صياح أبو مديغم (أبو عزيز) وباقي أعضاء اللجنة الشعبية للدفاع عن العراقيب برئاسة الأستاذ يوسف أبو زايد وقفة بطولية، حيث أداروا معركة الدفاع عن أرضهم على جميع الجبهات الشعبية والقضائية والرسمية والإعلامية بكل جدارة واقتدار، كما كان لموقف الجماهير العربية الدور في تعزيز الصمود في القرية على أمل أن تعيد إسرائيل النظر في قراراتها في الموضوع، والإقرار بحق أهلنا في العراقيب ببناء قريتهم على أرضهم، أرض الآباء والأجداد'.
ومن العجيب المحزن أن العراقيب من بين 45 قرية بالنقب يبلغ تعداد سكانهم نحو ٨٥ الف عربي ولا تعترف بها السلطات الإسرائيلية، والسؤال هو من يعترف بمن!! فإن وجود العرب بصحراء النقب موغلا في التاريخ ولا يحتاج إلى دليل.
إن معظم عائلات العراقيب مثل عائلة أبو مديغم وعائلة أبو فريح وأبو زايد وأبو جابر، تنحدر من عشيرة الطوري من قبيلة مزينة والتي دخلت إلى أرض فلسطين في العهد العثماني، حيث نزلت بوادي الحسي في صحراء النقب والذي يبدأ من منطقة دورا في جبال الخليل ويصب في البحر الأبيض المتوسط، واشتهروا بقوة عزيمتهم وبالصبر على الشدائد وبالكرم والتسامح والصلح بين الناس، ثم استوطنت واستقرت تلك العشائر بالعراقيب في أوائل القرن الثامن عشر، وبعد الاحتلال رُحل وهُجر بعضهم في عام 1974 إلى رهط، وظل الباقي صامدين وعلى رأسهم شيخ المناضلين صياح أبو مديغم الطوري رغم صعوبة الحياة وشظف العيش والمحاولات المستمرة لقلع جذورهم من أرض أجدادهم .
إن محاولات محو الهوية العربية من النقب ومن العراقيب الصامدة لم تبدأ اليوم، فبعد الاحتلال أتى قائد في الجيش الإسرائيلي يدعي بـ 'موسى العير' إلى أبناء قرية العراقيب أثناء حراثتهم لأراضيهم وطلب منهم أن يخلوا المنطقة، وأن لا يحرثوا الأرض، وتحت التهديد والوعيد خرج الحراثون من الأرض، لكن ليرجعوا ويعودوا لإكمال حراثة أرضهم والتي فيها حياتهم بعد أن ذهبت الدورية، ورجع موسى العير ومن معه من الجنود، واقتادوا الحراثين، وجمعوهم في بايكة، وأطلقوا عليهم النار وتوفوا جميعًا، وكان أول الشهداء وأكثرهم عددًا ثلاثة من أبناء مصطفى أبو سالم الطوري من مزينة .
ويستمر كفاح عائلات العراقيب وصمودهم دون توقف، ففي كانون الأول / ديسمبر 2009 قامت جرافات وزارة الداخلية الإسرائيلية بهدم 6 بيوت لعائلة أبو مديغم، كما قاموا باقتلاع 50 شجرة زيتون وقاموا بمصادرة الزيتون، وقال سالم إسماعيل أبو مديغم في حينة 'نحن أصحاب هذه الأرض، هم يظنون أنهم بهذا الهدم سينتزعون حب الأرض من نفوسنا لكن هيهات هيهات وما بقي لنا خيار سوى التجذر بالأرض والتمسك بها'، كما صرح الدكتور عواد أبو فريح الناطق بلسان لجنة الدفاع عن ارض العراقيب بالقول 'ردّنا هو إعادة بناء البيوت من جديد والتمسك بالأرض والتجذر بها، فنحن أصحاب حق ولا نستمد شرعية وجودنا إلا من شواهد أرضنا المباركة والتي عاهدنا أنفسنا أن نحافظ عليها ما دامت في عروقنا دماءٌ تجري وأرواح تسري'.
ولقد استعملت السلطات الإسرائيلية أساليب لاإنسانية من أجل إجبار أهل النقب على تركه، فقد لجأت دائرة أراضي إسرائيل بمشاركة ما يسمى 'الدورية الخضراء' إلى رش المحاصيل بالمبيدات السامة عن طريق طائرة من أجل منع السكان من زراعتها ثانية، حدث ذلك في شتاء 2000/2001 بعد أن نبت القمح جاءت طائرات ورشت الأرض بمواد سامة وأبادت المحاصيل كاملة. كذلك في سنة 2001/2002، وسنة 2002/2003، وسنة 2003/2004 بالشتاء وكذلك بالصيف ضد محصول البطيخ والذرة.
وفي أغسطسٍ/ آب 2009 قامت ما تسمي بـ'كيرن كييمت' بمحاولة تحريش 1200 دونم في محيط قرية العراقيب، رغم أن الأراضي كانت لا تزال تخضع لإجراءات تسجيل الملكية، علمًا أن أصحاب الأرض الأصليين كانوا قد قدموا طلبات لتسجيل مئات آلاف الدونمات بملكيتهم منذ سنوات السبعينيات، إلا أن السلطات لم تنظر في هذه الطلبات حتى اليوم.
ولقد رفض المناضل الشيخ صيّاح الطوري عرضًا تقدمت به 'دائرة أراضي إسرائيل' يقضي بتأجيرهم أرضًا بمبلغ رمزي يسمح لهم بفلاحتها، ولسان حالة يقول من يملك الأرض لا يستأجرها، فنحن مواطنون ولسنا رعايا ولا مهاجرين، ومقبرة الطوري والتي يزيد عمرها عن 70 عامًا وتضم 11 شهيدًا من عائلة الطوري استشهدوا للدفاع عن هذه الأرض لهي أكبر دليل على ملكية هذه الأرض وعلي الوجود العربي في النقب وهو أقوى من الأوراق التي تتلاعب بها السلطات الإسرائيلية .
وفي شباط /فبراير 2009 قامت السلطات الإسرائيلية بتجريف الأراضي الزراعية التابعة للقرية، حيث تم تجريف أكثر من ألف دونم مزروعة بالقمح والشعير، وفي نيسان/أبريل 2009 قامت الشرطة بإغلاق مداخل القرية واستفزاز العمال العائدين إليها والاعتداء عليهم وذلك في إطار تضييق الخناق ودفعهم إلى الرحيل.
إن السلطات الإسرائيلية تقوم في كل عام ومنذ أكثر من عشر سنوات بحرث الأرض المزروعة التابعة لعشيرة أبو مديغم (3000 دونم تقريبًا)، وتعرض عليهم إغراءات لترك أراضيهم، ولكن العشيرة، وبقيادة الشيخ صياح أبو مديغم (أبو عزيز) رفضت كل هذه الإغراءات ولا تزال تعيش على أرضها في الخيام رغم الظروف القاسية.
وفي أيار/ مايو 2009 اقتحمت قوات الشرطة والوحدات الخاصة والجرافات الثقيلة وما يسمى بـ'الدوريات الخضراء' قرية العراقيب وحاولت مصادرة الأمتعة التابعة لأهالي القرية تمهيدا لترحيل سكانها بعد هدم خيمة الاعتصام وبعد تطويق القرية بالكامل.
إنّ عرب النقب على مدار 60 عاما أفشلوا تهويد الإنسان، والعراقيب اليوم هي رمز لصمود والحفاظ علي الهوية العربية بصحراء النقب، رغم كل محاولات الاقتلاع التي يتعرضون لها ورغم محاولات وسائل الإعلام الإسرائيلي لتشويش هوية العرب في النقب وسلخهم من عروبتهم عن طريق تسميتهم بـ'بالبدو أو الطائفة البدوية'.
*نبيل عواد المزيني
باحث وكاتب عربي
الولايات المتحدة الأمريكية
www.elmozainy.com
|
|
![]() |